سوريا.. مزارعون توقفوا عن استثمار أراضيهم بسبب الغلاء

حراثة الأرض في السويداء

لا سماد ولا مازوت وأجور حراثة مرتفعة.. لماذا لا يشعر الفلاح بالدعم الحكومي؟

سناك سوري مراسلون /نورس علي – رهان حبيب – فاروق المضحي/

يعاني الفلاح السوري من صعوبات كثيرة تتعلق بأجور الحراثة، وتأمين الأسمدة، ما دفع بالعديد منهم على العزوف عن زراعة أراضيهم، أو قسم بها، في وقت تحتاج فيه البلاد تحقيق الأمن الغذائي والاكتفاء الذاتي لمواجهة الحصار والعقوبات وتبعات الحرب.

“زياد المقت” مزارع من قرية “عرمان” بريف “السويداء”، أحد الذين يعانون من الغلاء وارتفاع أسعار مستلزمات الانتاج، مع محدودية الدعم الحكومي سواء كان للحراثة أو السماد، ويورد مثالاً على معاناته بأنه لم يحصل حتى الآن على سماد الأشجار المثمرة التي يمتلكها.

تكلفة حراثة الدونم الواحد (الدونم ألف متر مربع) حدده اتحاد الفلاحين بمبلغ 3000 ليرة، بفارق ألف ليرة عن العام الفائت، وهذا الرقم لا ينصف المزارع الذي حصل على لترين مدعومين لكل دونم من المازوت، ولا صاحب الجرار الذي يحتاج للصيانة الدائمة وقطع التبديل التي ارتفعت أسعارها، حسب “المقت” مضيفاً لـ”سناك سوري” أن «اللترين غير كافيين، فالفلاح يضطر لفلحتين قبل زرع القمح، وبالنسبة للتفاح نضطر لثلاث فلحات للحصول على موسم جيد، في حين نستخدم العزاقة حول الأشجار المثمرة وتكلفة الساعة 4000 آلاف ليرة».

حراثة واحدة لاتكفي

“المقت” اضطر للذهاب 40 كم من قريته “عرمان” إلى قرية “طلالين”، التي حددتها لجنة المحروقات كمركز لتوزيع مخصصات المازوت للآليات الزراعية، البالغة 50 ليتر مازوت لكل جرار على البطاقة الذكية، موضحاً أن سبب اختيار القرية لتوزيع المازوت يعود لرؤية اللجنة ونظراً لصعوبة النقل لكل قرية على حدى، علماً أن أصحاب الجرارات في قرية “الثعلة” مثلاً رفعوا اقتراحاً للجنة ليكون الاستلام من خلال الكازية المتواجدة فيها لكن اللجنة لم تتجاوب.

وبسؤال لجنة المحروقات عن الأمر قال “فادي مسعود” عضو اللجنة «إن المشكلة الأساسية تتمثل في قلة المادة فلكل آلية مخصصاتها، لكن قلة توافر المادة تحكم الإجراءات للحصول عليها أي أن المشكلة غير مؤهلة للحل بالمدى المنظور»!.

“موفق العبد” رئيس الجمعية الفلاحية في قرية “الثعلة”، يؤكد أن التكلفة ترتفع باستخدام البذارة وآلة نثر السماد، حيث تصل إلى 2000 ليرة، لتصبح التكلفة 5000 ليرة للدونم الواحد من القمح فقط من الحراثة والبذر، موضحاً أن هذا أدى لعزوف البعض عن الزراعة واللجوء للتأجير كونهم غير قادرين على دفع الأجور، وتأمين كمية إضافية من المازوت، بسعر الليتر الذي تجاوز 1300 ليرة في حال توفره، مع العلم أنه لم يحصل على مخصص آليته.

بالعودة إلى معاناة “المقت” من عدم الحصول على السماد بعد، سأل “سناك سوري”، مدير المصرف الزراعي “نسيم حديفة” عن الأمر، ليؤكد أن سماد الأشجار لم يوزع هذا العام بعد، وهم بانتظار القرارات التي تأخرت، فيما يوضح “عثمان حمزة” مزارع تفاح من قرية “عرى” أنه اضطر لشراء السماد المتوازن المؤلف من ثلاث أصناف بسعر 2000 ليرة للكيلو الواحد من شركات القطاع الخاص، أي أن تكلفة كل شجرة ارتفعت من 600 ليرة للشجرة الواحدة في حال الحصول على السماد من المصرف حيث سعر الكيلو 300 ليرة، إلى أربعة آلاف من القطاع الخاص كون الشجرة تحتاج إلى 2 كيلو كحد وسطي وهذا طبعاً يضاف لتكلفة الحراثة.

اقرا أيضاً: منتجون للبندورة في قيصما مهددون بالتوقف عن العمل

طرطوس.. توقف عن حراثة الأراضي

توقف العديد من المزارعين عن حراثة أراضيهم، في “طرطوس”، نتيجة ارتفاع أجرة الحراثة التي وصلت إلى 10000 ليرة عن كل ساعة، بعد أن كانت 3000 ليرة العام الفائت.

الحراثة بالعزاقة

حراثة الدونم الواحد بالجرار الزراعي في الأراضي الوعرة يحتاج حوالي الساعتين من العمل، ما يعني أن تكلفة حراثته هي /20000/ بعد أن كانت /6000/ العام الماضي، وهذا أمر تسبب بعدم حراثة ما بين أشجار الزيتون مثلاً لزراعة القمح أو الشعير أو حتى بذار الباقية الخاصة بعلف المواشي، وفق ما أكده المزارع “فايز شداد” بريف “بانياس”، الذي اقتصر عمله على حراثة حوالي دنم ونصف فقط للزراعة، وترك بقية أرضه دون حراثة.

المزارع “بسيم يوسف” من ريف “بانياس” أيضاً، اعتاد على زراعة القمح للحصول على مؤونة منزله منه، ومؤونة مواشيه من التبن الناتج عن عملية دراسته، هذا العام قال إنه سيشتري العلف من التجار فهو أوفر بالنسبة له.

في حين رفع العامل “هاني صقور” الذي يعمل بحراثة الأرض بواسطة عزاقة أجرته اليومية، نتيجة ارتفاع سعر المازوت الذي يشتريه من السوق السوداء بسعر ألف ليرة سورية، موضحاً أن ساعة العمل على العزاقة الصغيرة أصبحت حوالي /8000/ ليرة بعد أن كانت في العام الماضي /3000/ ليرة، وهذا أدى إلى عزوف الكثير من المزارعين عن حراثة أراضيهم الزراعية.

اقرأ أيضاً: حتى أسعار روث البقر حلقت… نيال يللي عندو مزبلة

الحراثة لم تعد مجدية اقتصاديا

العامل على الجرار الزراعي “محمد علي” أكد أن توقفه عن العمل وعدم استهلاك جراره أربح له من العمل عليه، رغم أن ساعة العمل أصبحت /10000/ ليرة، ولكنها غير مجدية له كونه يعتاش من هذا العمل، فسعر طقم الدواليب الكبيرة حوالي /3/ مليون والصغيرة حوالي /500/ ألف ليرة وسعر ليتر المازوت /1200/ ليرة بالسوق السوداء لعدم توفر المدعوم، وليتر الزيت الصناعي الممتاز /10000/ ليرة، وأجرة الحراثة لا تغطي هذه التكاليف ولم تعد تؤمن مصدر دخل للعائلة كما في السابق.

مشاكل الحراثة ليست الوحيدة في “طرطوس”، فهناك أيضا فقدان الأسمدة الزراعية الذي أثر على إنتاج الأرض، حسب ما أكده المزارع “سهيل اسبر” من مدينة “صافيتا”، ويضيف لـ”سناك سوري”: «لدي حوالي /75/ دونم مزروعة بأشجار الحمضيات وتحتاج إلى /150/ كيس سماد من الأزوت والبوتاس والفوسفور، كنت أحصل عليها من المصرف الزراعي بالمدينة بأسعار مدعومة لا تتجاوز /12000/ للكيس وزن /50/ كيلوغرام، ولكنه غير متوفر حالياً سوى بالسوق السوداء وبسعر 75 ألف ليرة للكيس وزن 25 كيلو غرام».

كل ما جناه “اسبر” من الموسم السابق لا يكفيه لشراء السماد من السوق السوداء، يقول ويضيف: «من الغريب عدم توفر السماد رغم وجود عدة معامل حكومية منها معمل “حمص” الذي ينتج الفوسفور، علماً أن السماد الحكومي المدعوم متوفر في السوق السوداء ولكن بأسعار خيالية تتحكم بها التجار».

اقرأ أيضاً: الحكومة تغيّر رأيها وتخفض سعر السماد

سماد المصرف الزراعي غير كافٍ

تحتاج زراعة القمح للسماد الفوسفاتي حسب المزارع “عبد الكريم المحمد” من بلدة “الخريطة” بريف “دير الزور”، ليكون المنتج بجودة عالية، مضيفاً أن الكميات الموزعة على الفلاحين لا تكفي المساحات المزروعة.

حراثة الأرض في دير الزور

سعر كيس السماد 50 كيلو، وصل إلى 55 ألف ليرة، في حين أنه يوزع من قبل المصرف الزراعي بمبلغ 10 آلاف ليرة، ولو أن المصرف يوزع كميات كافية، كان الأمر محلولاً، وفق “المحمد”، مضيفاً أن الأمر ينطبق على بقية أنواع السماد حيث توزع الجمعيات الفلاحية السماد الأحمر بمبلغ 9 آلاف ليرة، في حين صل سعره إلى 35 ألف ليرة في السوق ومتوفر، مشيراً إلى أن ارتفاع السماد دفع الفلاحين للاعتماد على الكميات الموزعة من قبل المصرف الزراعي ودعمها بكمية من السوق السوداء إضافة إلى الأسمدة العضوية من بقايا الحيوانات.

أما بالنسبة للحراثة، فقد تضاعفت أجورها هذا العام، كما يقول المزارع “مالك العلاوي” من بلدة “الحوايج” ويضيف: «يبرر سائقو الجرارات الزراعية الأمر بسبب ارتفاع سعر المازوت الذي وصل إلى 700 ليرة، وذلك كون الكميات المدعومة غير كافية ليصل سعر حراثة الدونم الواحد إلى 12 ألف ليرة، ويرتفع حسب صاحب الجرار في بعض الأحيان لـ 15 ألف ليرة الأمر الذي يزيد من تكاليف زراعة الدونم مما يضطر البعض إلى تخفيض المساحات المزروعة نتيجة ضعف إمكاناتهم المادية».

معاناة الفلاحين هذه بمختلف المحافظات السورية، لا توحي بوجود دعم حكومي كافي، في وقت تؤكد الحكومة دعمها للزراعة، ودعوتها الفلاحين لاستثمار كل شبر من الأراضي الزراعية، ما يعني وجود حلقة مفقودة بما يخص الدعم الحكومي المفترض، ولماذا لا يصل أو لماذا لا يشعر به الفلاحون؟!.

اقرأ أيضاً: الموسم الزراعي الشتوي في دير الزور مهدد قبل بدايته

المقالات المنشورة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الموقع