سوريا التاريخية…ثوار منفيون في جزر المتوسط

تمثال يونس السوري - ويكيبيديا

السوريون والمتوسط … ثوار منفيون وثائرون في جزره

سناك سوري – حسان يونس

قبل أن يكون اسمه “البحر المتوسط” كان “البحر الفينيقي” الذي أبحر عبره السوريون إلى العالم عموماً وإلى جزره وشواطئه خصوصاً تاركين آثارهم الحضارية حيث مروا قبل أن ترقد أجسادهم بعيداً عن أرضهم الأم وترتفع شواهد قبور سوريَّة في جزر المتوسط بما تحمله من إرث سياسي وثقافي وحضاري يرفض الانقطاع زمنيا ومكانيا.
في هذه المادة نستعرض قصصاً لأبناء سوريا التاريخية الذين حطوا رحالهم في جزر المتوسط:

في العام 302 ق. م بدأ “زينون الفينيقي” يعلِّم مذهبه في أثينا اليونانية، وقد أظهرت فلسفته صلة مباشرة بالروحية المشرقية ولا سيما في نظرتها الشمولية والإنسانية للأخوة البشرية، وكان له أتباع من اليونانيين والرومان. وقد كتب أحد شعراء اليونان على شاهدة قبره في أثينا:
“إذا كانت بلادك الأصلية هي فينيقية
فهل يجب أن يضيرك هذا بشيء.؟
ألم يأت قدموس من هناك
الذي أعطى لليونان كتبها وكتابها؟”.

اقرأ أيضاً: شعوب البحر والعثمانيين الجدد- حسان يونس
ووفقا لـ د.هدى الخولي في كتابها الموسوم (جمهورية الفيلسوف زينون الرواقي) فإنه عندما شاهد الشاعر “أنتيباتروس الصيدوني” قبر ابن جلدته “زينون” رثاه بقوله:«هنا يرقد زينون الكيتومي الحكيم الذي اتجه إلى السماء، إنه لم يضع جبلاً فوق جبل، كما لم ينجز أعمال هرق ليصل إلى النجوم، فإن طريق الفضيلة كانت تكفيه،

إن جزيرة صور رأت شبابي،
ولكن مدينة غدارا السورية هي مسقط رأسي،
أنا ملياغر بن أوقراطس،
الذي شبّ مع ربّات الشعر.
يجب ألا تعجب أيها الغريب من أصلي السوري،
لأن العالم بأسره هو موطن الإنسانية كافة،
ولأن هذا الجنس الفاني بكامله قد ولد من هذه الفوضى العارمة».
في رسالة ثانية، على شاهدة قبره، يطرح رؤيته للهوية العالمية وللمواطن العالمي ويؤكد على المبدأ الرواقي القائل بالأخوة البشرية التي يحملها السوري في جيناته ما يمكنه من النجاح والتألق، حيثما اغترب أو حل لاجئا:
أيها العابر من هنا،
هنا يرقد عجوز مسالم رقدته الأخيرة.
إنه ملياغر ابن أوقراطس
الذي تغنّى بالحب وجعل الدموع السعيدة تهطل من المآقي،
لقد كان رجلاً من مدينة صور التي باركتها الآلهة،
ولكن مدينة غدارا المقدسة كانت مسقط رأسه.
ثم أتى إلى كوش الجزيرة المباركة،
فإن كنت سورياً أيّها العابر، فقل عند قبري سلام!
وإن كنت فينيقياً قلْ ( (Adoni، وإن كنت يونانياً فقُل (Chaírete).

هكذا يلقي ملياغر التحية في نهاية القصيدة بثلاثة لغات، فهي كلها واحدة بالنسبة إلى انتماءه السوري العالمي.
اقرأ أيضاً: الحصار عبر التاريخ.. بابل وتدمر نموذجاً- حسان يونس
قائد ثورة تحرير العبيد

وفي جزيرة صقلية الإيطالية يرقد ثائر سوري اسمه “يونس السوري”، من مواليد “أفاميا”، نقله “الرومان” إلى “صقلية” كأسير حرب واسترقوه، وقاد في خريف ١٣٥ ق.م عبيد سكان صقلية في ثورة عارمة ضد الطغيان الروماني على الجزيرة التي كانت قبل الاجتياح الروماني مستعمرة فينيقية، فاستطاع توحيد صفوف العبيد ودفعهم إلى القيام بثورة هائلة، احتاج الرومان ثلاثة أعوام لإخمادها، بعدما انتزع منهم مدينة (إنّا) ومدينة (أجريجنتوم) ومدينتي( تاورمنيوم وقاتانا)، وأجزاء كبيرة من الجزيرة، ونصّب نفسه ملكا، ورفع عدد جنوده من 400 إلى 20,000 ، واستبدل الرومان ثلاث قناصل في مواجهته، حسبما يروي المؤرخ “عبد المجید حمدان” في مجلة دراسات تاريخیة- عام 2012- العددان 117و 118.
الثائر المنفي 

وفي جزيرة رودس اليونانية، في بحر إيجة يرقد سوري ثائر آخر، هو “محمد هوّاش اسماعيل خيربك” الذي نفاه العثمانيون إلى رودس، وهو أحد الناجين القلائل من عائلة “اسماعيل خير بيك”، متسلم منطقة صافيتا، الذي كان محنكاً، امتد نفوذه إلى كافة المناطق المجاورة، وأسّس ما يشبه حكما ذاتيا في الساحل السوري، حسبما يروي الباحث السوري حسان القالش في كتابه الموسوم “قطار العلويين السريع”. ولما رأت الدولة العثمانية تعاظم نفوذه ومساعيه لاستقلال سوريا عنها، حاربته وحاصرته وألّبت أحد أقاربه لقتله في منتصف شهر تشرين الثاني عام 1858م، وقتل معه معظم أبنائه، وسُبيت نساؤه، ونُقل رأسه ورأس شقيقه ناصيف إلى دمشق. ولم ينجُ من أفراد عائلته إلا عدد قليل بينهم ابنه البكر “محمد هوّاش” وقد كان صاحب دور مميز في محاربة العثمانيين، متابعاً ثورة أبيه إسماعيل، بالتفاهم مع الأمير عبد القادر الجزائري، الذي كان منفيا حينها في دمشق، وقد انتهى به المطاف منفياً في رودس مع بعض أفراد عائلته حيث توفي “هواش” عام 1896م وله في الجزيرة اليونانية ضريح جليل.

اقرأ أيضاً: سوريا التاريخية.. لا تحتقر إلهاً لا تعبده _حسان يونس

المقالات المنشورة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الموقع