سوريا: أزمة عنوسة عند “الرجال”.. ارتفاع معدلات سن الزواج أكثر من 10 سنوات

العنوسة في سوريا ليست حكراً على النساء

سناك سوري – شاهر جوهر

في اللغة يقال إمرأة “عانس” أي طالت عزوبيتها ولم تتزوج، ورجل عانس أي أسنَّ ولم يتزوج. ما يعني أن العنوسة ليست مرتبطة بجنس أنثى كانت أم ذكر، لكن للشارع العربي لغته الخاصة، إذ يطلق وصف عانس لكل امرأة تعدت سن الزواج، وهو سن يختلف تحديده من محافظة لأخرى ومن مكان لآخر، في حين يفضل الجميع وصف الرجل بالأعزب حتى لو بلغ من العمر مبلغه. وعليه تأتي مخرجات الدراسات التي تتناولها مراكز الابحاث و التي تعتمد في أغلبها على استطلاع آراء الشارع.

الحديث عن هذه الظاهرة معقد وشائك، ويحتاج الى دراسات معمّقة لتوضيح الأسباب ووضع الحلول. ففي آخر تصنيف لها جاءت سورية في المرتبة الثالثة عربياً بنسبة بلغت 70% من حيث معدل العنوسة (بعد لبنان 85% والامارات 75%)، وذلك خلال دراسة أجرتها مراكز أبحاث غربية حول معدلات العنوسة في الوطن العربي، وتم تناولها من قبل وسائل إعلام غربية في نهاية العام 2018.

الملفت أن وسائل إعلام عربية وعبر وسائل التواصل الاجتماعي حصرت تلك النسبة بالنساء فقط، في حين أنها شملت كلا الجنسين وفق معايير وشروط محددة تبنتها الدراسة.

معدل سن الزواج بين الشبان السوريين ارتفع إلى أكثر من 10 سنوات بعد عام 2011 مقارنةً بما قبله، وبحسب “روزان” وهي اختصاصية بعلم الاجتماع فإن هذا الأمر يعود في جزء منه إلى ارتفاع تكاليف الزواج أمام الشاب، فضلاً عن الهجرة و العادات والتقاليد التي يفرضها المجتمع.

من الأسباب التي تم رصدها لارتفاع سن الزواج على سبيل المثال في ريف حلب الشمالي “انخراط الشبان بفصائل مسلحة” حيث أن والد “ولاء” يرفض تزويج ابنته لأي شخص يقاتل في “فصيل مسلح” ويبرر ذلك بالقول أن العريس المسلح يجعل ابنتي مشروع “أرملة” منذ اللحظة الأولى فهو عرضة للموت في أي لحظة.

هذا ليس موقف والد  “ولاء” لوحده فهناك آباء منخرطون في القتال أيضاً ويرفضون تزويج بناتهم لمقاتلين، وبالتالي فإن الشبان المنخرطين في القتال أيضاً ارتفع سن الزواج بينهم ويمكن القول إنهم يعانون “أزمة عنوسة”، وكان لافتاً أن أحد الذين التقيناهم علق على الأمر بالقول إنهم لو تزوجوا كان أفضل، فزواجهم وتحولهم إلى آباء قد يجعلهم يفكرون ألف مرة قبل الانخراط في القتال، ويحفزهم على دعم السلام من أجل أبنائهم.

الزواج بعمومه في المجتمع السوري مرتبط بالقدرة الاقتصادية والاستطاعة والبلوغ ودرجة التأهيل وبحالة استقرارهم، وهي شروط ومقومات آخذة في التلاشي أمام كل شاب، وسببها الأساسي هو الحرب التي قتلت أكثر من نصف مليون شاب، وشردت الملايين، ودمرت مدخرات ما تبقى منهم فتركتهم عرضة للجوع والفقر وانعدام الأمن.

اقرأ أيضاً: في عيدك يكفي أن تربي سكسوكة وترتدي حمالات للبنطلون

فالواقع الاقتصادي السيء الذي ضعضته الحرب وانعدام فرص العمل أمام الشباب كان من الأسباب المحورية التي دفعت الشباب للعزوف عن فكرة الزواج، إذ أن 82.5 في المائة من السكان يعيشون تحت خط الفقر. كما أن أكثر من نصف السكان هم عاطلون عن العمل بمعدل بطالة وصل في السنوات الاخيرة ما بين 53 لـ 60 بالمئة، وفق تقديرات غير رسمية، أي بأكثر من 12 مليون عاطل، ما يدفعها لتكون البلد الاولى عربياً من حيث معدل البطالة.

هذا العامل ساهم في رفع معدلات تأخر سن الزواج، والذي عززه ارتفاع معدلات التضخم في البلاد، والتي تم تقييمها بأنها الأعلى في العالم في نهايات العام 2017 ، إذ سجل ما نسبته 43.2 في المائة. إذ أن ارتفاع الاسعار، وانخفاض قيمة الليرة ساهم بدوره في رفع متطلبات وكلفة الزواج بشكل كبير جدا، بما لا يستطيع تحمله أي شاب.

كما عزز تلك الظاهرة أيضاً سبب مهم يتمحور بهجرة غير مسبوقة لأعداد كبيرة من الشباب للخارج بحثاً عن حياة أفضل وهربا من العنف في البلاد، إذ أن أكثر من 50% من الشعب السوري باتوا نازحين سواء نزوح داخلي أو لجوء خارج البلاد، وتعتبر نسبة الشباب هي النسبة الاكبر من بين المهاجرين، حيث بلغ عدد النازحين داخل البلاد قرابة 6 ملايين شخص وما يقرب من 6 ملايين آخرين خارج البلاد.

بالتالي يمكن القول أن ظاهرة العنوسة يمكن أن تضاف إلى سلسلة مشاكل المجتمع السوري التي أنتجتها الحرب ولا يبدو أنها ستنتهي قريباً في حال اتفقنا أن سببها هو الوضع الاقتصادي والأمني وهجرة الشباب.

اقرأ أيضاً: سبب مقنع للجوء … شاهر جوهر

المقالات المنشورة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الموقع