حين زارت أغاثا كريستي سوريا وتعرفت إلى أرستيد

الكاتبة أجاثا كريستي - إنترنت

“أغاثا كريستي” كتبت في سوريا بعض فصول روايتها “جريمة في قطار الشرق السريع”

سناك سوري – عمرو مجدح

لطالما سحرَ الشرق بحضاراته القديمة المستشرقين الأجانب علماء آثار ومنقبين، وصولاً إلى الكتاب والروائيين، وفي فندق “البارون” الشهير بمدينة “حلب”، والذي عرف العديد من الشخصيات المؤثرة والتي تركت بصمتها في التاريخ، أقامت في ثلاثينيات القرن الماضي كاتبة الروايات البوليسية الأكثر شهرة “أجاثا كريستي”، مع زوجها منقب الأثار “ماكس مالوين” في الغرفة رقم 213 التي خطت فيها بعضا من فصول روايتها “جريمة في قطار الشرق السريع”.

جاءت “كريستي” مع زوجها عالم الآثار للتنقيب في شمال وشرق “سوريا”، وتحكي في بعض فصول مذكراتها في “سوريا” و”العراق” تحت عنوان ( تعال قل لي كيف تعيش )، عن ملاحظاتها وماشهدته في رحلتها تلك التي أبدت فيها إعجابها بـ”تدمر” عند وصولها المدينة قائلة: «ها هي ذي “تدمر”، في هذه النقطة يكمن سحرها على ما أظن. في جمالها القشدي الأهيف الذي ينتصب بسحر وسط الرمال المحرقة، إنها مدينة فاتنة رائعة لا تصدق، مشهديتها الساحرة تلك الجديرة بأن تكون جزءاً من حلم، بلاط ملكي ومعابد وأعمدة خربة.. لم أستطع يوماً اتخاذ قرار حاسم حول ما أظنه في “تدمر” إنها تتمتع على الدوام بذلك الطابع الحلمي الذي تكتشفه فيها من النظرة الأولى، وقد جعلها الألم في رأسي وعيني تبدو، أكثر من أي وقت مضى، خيالا محمومة! إنها ليست حقيقية – ولا يمكن أن تكون حقيقية».

بين حملات التنقيب في “القامشلي” و”الحسكة” و”دير الزور” و”جرابلس” كانت مدينة “حلب” نقطة راحة ونقاهه للروائية الشهيرة كلما سنحت لها الفرصة، فتزور حماماتها وأسواقها ومتاجرها من أجل شراء احتياجاتها قبل الذهاب إلى المناطق الصحراوية.

اقرأ أيضاً: من يهود سوريا إلى هالة بنت ألبير اليهودي – عمرو مجدح

من أبرز الحكايا التي دونتها وخلدتها “كريستي”، قصة السائق الأرمني “أرستيد” وفيها تقول: «”أرستيد” لم ينشأ، في الواقع، في كنف قومه، إذ نمر، في أحد الأيام، بالقرب من جماعة من البدو، فيحيونه، فيرد لهم التحية ملوحا بيده وهو يصرخ بتأثر، ثم يشرح لنا الأمر: هذه عشيرة “عنزة” التي أنتمي إليها، فيسأله “ماکس”: كيف ذلك؟، فيبدأ “أرستید”، بصوته الرقيق السعيد وابتسامته المشرقة الجميلة، في رواية قصته، إنها قصة صبي صغير في السابعة من العمر رماه الأتراك مع أسرته والعديد من الأسر الأرمنية الأخرى أحياء في حفرة عميقة وسكبوا القار فوقهم وأضرموا فيهم النار، احترق والده وأمه وشقيقتاه أحياء- في حين بقي “أرستيد” الذي كان تحتهم، على قيد الحياة عندما غادر الأتراك عثر عليه، في وقت لاحق بعض عرب “عنزة”، فأخذوا الصبي الصغير معهم وضموه إلى عشيرتهم وربوه کعربي يأخذونه في حلهم وترحالهم».

عاشرت “كريستي” جميع مكونات المجتمع السوري عن قرب أثناء التنقيب في “تل براك” و”تل شاغر بازار” و”جرابلس”، وكتبت انطباعاتها قائلة إن «القرى الكردية والعربية في هذا الجزء من العالم متماثلة عدداً، وهم يعيشون الحياة نفسها وينتمون إلى الدين نفسه»، وتضيف أن «النسوة العربيات متواضعات على الدوام ومنكمشات على ذواتهن ويشحن بوجوههن بعيداً عندما تتحدث إليهن وإن نظرن إليك، فعن بعد، وإن ابتسمن، فبخفر ثم يلتفتن بعيدا. ملابسهن المتواضعة سوداء أو ذات ألوان قاتمة. ولا يمكن لامرأة عربية أن تتقدم من رجل وتخاطبه»!.

وتقارنها بالمرأة الكردية قائلة: «أما المرأة الكردية، فلا ريب أنها كالرجل تماما، إن لم تكن أفضل! فهن يغادرن بيوتهن ويمازحن أي رجل ويتمتعن بود كبير. ولا تتردد المرأة الكردية في مخاشنة زوجها الأمر الذي يصدم بعض عمالنا القادمين من “جرابلس” الذين لا يعرفون الأكراد جيدا»، سيدة الجريمة والغموض، تضيف إن النساء الكرديات يتميزن بأثوابهنّ ذات الألوان الفاقعة، كذلك «يتمتعن بوجوه برونزية ملامحها منتظمة ووجنات حمراء وعيون زرقاء عادة».

يذكر أن “كريستي” كاتبة إنكليزية، اشتهرت بكتابتها نحو 66 رواية بوليسية، و14 مجموعة قصيرة من القصص، ولدت في 15 سبتمبر 1890 وتوفت في 12 يناير 1976، وقد ذاع صيتها على مستوى العالم ووصفت بأنها “ملكة الجريمة”.

اقرأ أيضاً: كوليت خوري وأيام مع دمشق

المقالات المنشورة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الموقع