المساحة الآمنة – ناجي سعيد

ناجي سعيد

هل ينفع الحَجْر والعزل في مجالات أخرى غير المجال الصحّي؟.. سؤال مربك الإجابة ويحتاج لمساحة آمنة هل تمتلكونها؟

سناك سوري-ناجي سعيد

هل ينفع الحَجْر والعزل في مجالات أخرى غير المجال الصحّي؟، سؤال تُربكني جدًّا الإجابة عنه، فالتفكير بالإجابة عن هكذا سؤال، يحتاج مساحة آمنة (comfort zone) لدى أي شخص يودّ الإجابة. لكن هناك إضافة إلى المساحة الآمنة، فمن المُحتمل أن تكون الإجابة محصورة في أُفق ضيّق ناتج عن قلّة إنفتاح لدى المُجيب/ة. ممّا يطغى على المساحة الآمنة -بعد الإجابة- نمطًا سلبيًّا من التفكير. أو بمصطلح آخر طاقة سلبيّة تسيطر على أقوال وآراء ومواقف وردّات فعل الإنسان، فيعكس كل ما بداخله/ها إلى الخارج بشكلٍ سلبي يلغي المساحة الآمنة عند الآخرين.

لكنّ من أين تأتي المساحة الآمنة؟ ومن يمنحها للشخص؟ المساحة الآمنة أوّلاً هي وبحسب اسمها “مساحة” تدلّ على منطقة جغرافية تُحيط بالمرء. وبما أنّها تُحيط به/ها، إذًا فالقابعون في المُحيط همّ من يُشكّل المساحة الآمنة. وبالتالي لا تنتمي إلى داخل الإنسان، بل إلى خارجه/ها أو محيطه/ها. نعم لكنّ هذا الخارج ينسجم مع الداخل ليُنتج شخصيّة إيجابيّة. فالمساحة الآمنة المحيطة بالشخص، توحي له/ها بالقدرة على الإجابة وإعطاء الآراء والمواقف، لكنّها لا تُخوّل الشخص بأن تكون آراءه/ها إيجابيّة.

فالمصطلح الذي استخدمتُه هو “ينسجم” ، وماذا لو لم ينسجم الداخل مع الخارج؟ هل يستطيع المرء بهذه الحالة، أن يترك الغلبة لجهة ما، بحجّة “تنظيف” الجهة الأخرى لأنه يرى أّنها سلبية؟ ومن الذي يعطيها الصفة السلبية أوالإيجابية؟ حسنًا، فالسؤال الأساس هنا: ما هو المعيار الذي نرى من خلاله السلبية والإيجابية؟ وهل من المنطق أن أحكُم على صديقي “علي” بأنّ شخصيّته سلبية فقط لأنّه عزل نفسه، لكن هذه المرة ليس “حجرًا صحيًّا”. فمن وجهة نظره أن الناس جميعًا مُصابين بـ”كورونا” فكرية لا بل حتّى دماغية لو صحّ التعبير.

اقرأ أيضاً: العقل والعقلانية في التصرّف أثناء الأزمات-ناجي سعيد

فالعزل المُعتمد من قِبل “علي” ناتج عن اعتناقه نمطًا من التفكير مُختلف عن الأخرين. وهذا النمط يُميّز المُبدعين الذين يخوضون مجالاً فنيًّا، يقولون خلاله أفكارهم الثوريّة التغييرية ليفهم المجتمع رؤيتهم وتصوّرهم عن العالم الذي يحلمون به. فطريق الفنّ هو لغة تعبير مُختلفة تتّسم بنفحة جماليّة. وقد خضت مع صديقي علي غمار التجربة “الثوريّة”، بدءًا بتأسيس مجموعة (شباب من معهد الفنون الجميلة ومن كليّة الإعلام والتوثيق) إلى إصدار نشرة مختلفة بكل المعايير، اسمها “خربشة” وقد كانت نتاج يدوي صرف، فكنّا نكتب نسخة بخط اليد مع رسومات، ثم نقوم بتصوير نسخ ونوزّعها في الجامعة وفي مقاهي المثقّفين. والمقصود بذكر هذه التجربة، هو أنّنا خضنا غمار معركة مواجهة “العقول المُزيّفة”.

فقد كان طموحنا كبير لدرجة أننا نريد أن نغيّر العالم المُزيّف. ومن الممكن أن أقول أن هذا الطموح يُشبه طموح المراهق الذي يودّ تغيير العالم ليصبح ملائمًا لتغييرات فيسيولوجية يتعرّض لها. ليس هذا استخفافًا بحلمنا وتطلّعاتنا حينذاك، فقد كنا نواجه العديد من مثقفي الوطن بطريقة غير مألوفة، نعم فحين يواجهنا أحدهم بالسؤال: من أنتم؟ كنّا نتهرّب من الإجابة، وليس هذا هروبًا من الإجابة، فقد كنّا نتعمّد رميهم في حيرة تقذفهم بين أهميّة “ما نقول” وبين هويّتنا (حيث كناّ نخفيها عن قصد) التي تغيّر نظرتهم وفهمهم لطرحنا لو عرفوها.

فما نستخلصه الآن، هل الإيجابية والسلبية متعلّقة بالمنحى الذاتي أم الموضوعي؟ فلو كان علي صديق مقرّب، يعني أنّه دائمًا على حق؟ ولا يُخطئ؟ وهل يعني لو كان “سالم” صديق وأكثر من ذلك، وأنا على يقين بمهارته في النقد الأدبي، هل يعني أنّه يغضّ النظر عن أخطائي في مجال الكتابة؟ على صعيدي الأسلوب والمضمون؟ وقد ذكرت الموضوع والذات، وانا أعرف من خلال دراستي الجامعية وقراءتي للفلاسفة، أنّ أغلب كتب الفلسفة تبحث موضوعي الذات والموضوع. وقد أدركت من خلال الملاحظة في مجال عملي (التدريب) أن معظم الناس في سلوكهم العملي والنظري، يحكمون على الأشياء بشكل ذاتي. وهذه الذاتية نابعة من الماضي الذي تربّوا عليه عند أهلهم. فالموضوعيّة صعبة المسار، وتكمن صعوبتها في التخلّي تدريجيًّا عن الماضي.

وقد اعتمد ديكارت الشكّ بكل شيء ليصل إلى اليقين، وقد بدأ من يقين حتمي لم يستطع الهروب منه هو وجوده المادّي. إذا وبالإجابة على السؤال الأول في بداية المقال، العزل الصحّي يفيد الإنسان في مجال الصحّة الجسدية، لكنّه لا يفيد في مجال الصحّة النفسية والإجتماعية.

اقرأ أيضا: استخدام العقل.. معضلة البشر المُتعبة – ناجي سعيد

فما أكثر الدعابات والنكات التي نُشرت على متن وسائل التواصل الإجتماعي (واتساب وفايسبوك) والتي تتناول الهوية المُجتمعية وتضرب المستوى القِيمي، وفحوى النكات يسخر من فكرة الرجل الذي يقوم بأعمال منزلية مع المرأة وكأنّ ذلك عيبٌ على الرجل.

لقد سنحت الظروف لكلّ إنسان وتحديدًا الذكور، أن يختلوا بعائلتهم لنلحظ مدى إلتزامهم بالقيم التي “يتشدّق” عديدون بأنهم من المؤيّدين لها، وهم بالواقع لا يحترمونها. وأذكر هنا جملة الكاتب أمين معلوف في روايته “حدائق النور”: «يظنّ البعض أنّهُ مُستودعٌ لرسالةٍ ما، بينما هو في الواقع تابوتٌ لها». ولا أعلم كم نحتاج إيجابية لنلزم بيوتنا؟ هل لأنّ القرار طلب من الحكومة؟ حتّى لو كان لمصلحتنا نرفضه؟ هذه قمّة السلبية وقمّة الذاتية في إتّخاذ القرارات. وكي يرتاح ضميري الذي يزعج “علي” جدًّا: أخرج منك و”تماسك” معها، فلو لم تعتد “الكومفورت زون” لكنت الآن خارج عزلتك، فقد قال الإمام عليّ: ” وتحسبُ أنّك جرمٌ صغير وفيك انطوى العالم الأكبرُ”.

اقرأ أيضاً: كورونا.. توقف قليلاً واتبع عقلك -ناجي سعيد

المقالات المنشورة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الموقع