الصراع على.. القمح – مازن بلال

القمح ليس رغيفاً فقط

سناك سوري – مازن بلال

تشتعل مزارع القمح في سورية وتقدم نموذجا لصراع مختلف تكرر تاريخيا، وشكل معلماً لكافة الحروب التي شهدتها هذه الجغرافية، فالقمح هو “هوية سورية” إن صح التعبير، وغالبا ما يأتي إحراق المواسم على خلفية صراعات كبرى نفذها “العثمانيون” مرارا كحالات انتقام، وفي كافة المفاصل من الحروب كان القمح أحد العوامل التي تم استخدامها للتأثير على مجرى الصراعات في سورية.
ربما لا نستطيع الهروب من الجغرافية التي وضعتنا ضمن موقع زراعي، لكن الخزان الغذائي في الجنوب والشمال السوري تبدل موقعه مع التطورات التي حكمت العالم منذ اكتشاف القارة الأمريكية، فما كان يعتبر “سلة الغذاء” لإمبراطوريات كبرى أصبح اليوم مساحة لا تكفي للتأثير على سوق الغلال إقليميا، لكنه في نفس الوقت يعبر عن مسألة أساسية؛ فالقمح السوري (ومعظم الغلال الزراعية) يمكن أن يصبح محركا انتاجيا مختلفا في حال إعادة تعريف “الموقع الزراعي” لسورية.
عمليا فإن إحراق مساحات القمح والشعير السوريين لا يبدلان الكثير من المعطيات الاقتصادية المتدهورة لسورية، فالأمر سيزيد الصعوبات لكنه لن يغير التعثر الحاصل في معيشة المواطن، وهذا الموضوع يدفع لإثارة أمرين أساسيين:
– على المستوى الوطني العام فإن القمح ليس فقط منتجا استراتيجيا، بل هو أيضا يحكم الثقافية السورية (أساليب الحياة والتفكير)، ابتداء من الدورة الزراعية وانتهاء برغيف الخبز.
ثقافة القمح ترتبط بالتكوين الاقتصادي الذي يدعم المواسم، وليس بعمليات الزراعة ودعم المزارع وآليات التسويق وغيرها، فإذا كانت الحكومة تعتبر هذا المنتج استراتيجيا فإن عليها على الأقل تكوين مجال له تحفيزي بنفس الطريقة التي تقوم به بشأن الاستثمار السياحي على سبيل المثال، فالدورة الاقتصادية للقمح متروكة لآلية تقليدية، فهو ليس حبوبا فقط بل أنواع متميزة تقوم مخابر الولايات المتحدة اليوم بالتعامل معها من أجل توطينها في أراضيها لمقاومة الجفاف.
– في المستوى المحلي فإن القمح سيأخذ بعدا آخر تماما، فالمجتمعات المحلية التي بنت سلسلة إنتاج خاصة من هذه المادة تحتاج لتطور آخر ضمن علاقة إنتاجية مختلفة.
إن الهموم الاعتيادية للمزارع من انتظار المطر وصولا إلى تسويق القمح يجب أن تتبدل تماما، وهذا الأمر ليس مهمة حكومية بقدر كونها مسألة مرتبطة بالمجتمع المحلي وبعلاقاته مع كافة القطاعات، فالمجتمع الزراعي ليس تكرارا للحياة وفق المواسم، إنما تكريس القمح كهوية عبر تفاعل الأجيال الجديدة مع هذا الموضوع…
انخراط الأجيال الشابة في سياق المجتمعات الزراعية يعني إعطاءها روحا جديدة، وأساليب انتاجية مبتكرة وتغير العملية الزراعية من حالة تعب مستمر إلى أنماط مختلفة ترتبط بكل ما هو رديف للمجتمعات المحلية، فالزراعة ليست قدراً إنما حركة تولد أشكالا مختلفة من الحياة.

اقرأ أيضاً أخطر حرائق “السويداء”.. الإطفاء يعجز عن الوصول للنيران

المقالات المنشورة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الموقع