يوميات مواطنأخر الأخبارالرئيسية

مدن الشوكولا السورية بعد أول زخة مطر

شوارع ما بعد المطر تتحول لمهرجان حيوي من النوتيلا الطينية

يمتلك المطر في “دير الزور” وربما في كل سوريا نكهة خاصة تحوّله من ماء عذب إلى شوكولا سائلة ما إن يصل إلى شوارع المدينة التي تتحوّل إلى قالب كبير من الشوكولا ينعم بها المواطن الديري.

سناك سوري – فالنتينا محمد

ومع أولى قطرات المطرات تنتعش القلوب وتمتلأ أملاً بالبشائر القادمة من السماء، لكن الفرحة لا تكتمل حين تعود الأعين إلى الأرض وتصطدم بواقعها المرير، فغالباً ما ينزل المطر بغياب البلدية وزفت الشوارع، لتتحول الطرقات إلى مسارات من طبقة سميكة ولزجة من الطين لا تجد شبيهاً أكثر من علب “النوتيلا” تدفع الناظر من بعيد إلى اشتهاء رغيف يغمّس به شوارع الشوكولا التي لا يعكّر صفوها سوى حبّات البحص والغبار وحفريات الصرف الصحي.

بينما نرى في كواكب ومدن أخرى شوارع نظيفة ومرتبة و«مسمسمة» تشبه قطع «البقلاوة» الفاخرة، حيث يمشي المواطن هناك وهو يرتدي حذاءً أبيض ناصعاً ويستمع للموسيقى دون أن يلتفت إلى الأرض، فإن المواطن الديري يعيش تجربة «تذوق» بصرية مغايرة تماماً تكسر الروتين.

شوارع البقلاوة تلك تبدو جافة ومملة، وليس فيها أي عنصر تشويق، أما شوارعنا هنا فهي عبارة عن مهرجان حيوي من «النيوتيلا» الطينية التي تجعل حذاءك يلتصق بالأرض في عهد أبدي لا ينفصم، لتخرج من الطين بنصف حذاء ونصف جوارب، وربما «حافياً» إذا قررت الشوكولا المحلية التمسك بك أكثر.

نتيجة الأمطار الغزيرة والسيول.. توقف 20 محطة مياه عن الضخ بالرقة

القفز الثلاثي والنينجا الديرية

الخروج من المنزل في دير الزور بعد المطر، سواء كنت موظفاً يركض خلف لقمة عيشه أو طالباً جامعياً يحاول الحفاظ على هيبته، يتطلب منك اعتزال مهنتك الحالية والتفرغ التام للتدرب على مهارات «القفز الثلاثي والارتفاعي» وحركات «النينجا» الديرية.

المشي في الحارة لم يعد مجرد نزهة، بل صار امتحاناً مصيرياً، حيث يقف الموظف ببنطاله المكوي على حافة الرصيف كأنه يستعد لقفزة مظلية، يحسب زاوية الرياح ويقيس عمق بركة «النيوتيلا» أمامه، ثم يأخذ نفساً عميقاً ويقفز قفزة بهلوانية عابرة للقارات ليحط فوق حجر مائل وضعه فاعل خير وسط المستنقع. وإذا خانته اللياقة البدنية، فسينتهي به المطاف غارقاً في قلب علبة الشوكولا الأرضية، ليدخل إلى وظيفته وكأنه كان في مهمة إنزال عسكري بامتياز.

معجزة الملابس النظيفة

أما المعجزة الكونية التي عجز عن تفسيرها علماء الفيزياء، فهي كيف يمكن لطلاب المدارس والجامعات أن يخرجوا من بيوتهم بثياب نظيفة ويعودوا بها كما هي؟ هذا الأمر يدخل في باب الخوارق والمعجزات الشتوية. بقاء ملابسك بيضاء ونظيفة يتطلب تكتيكاً دفاعياً مرعباً، حيث يمشي الديري وجسده مشدود ومتأهب، وعيونه تدور بزاوية 360 درجة لمراقبة السيارات والدراجات النارية المسرعة.

سائقو هذه الآليات يمتلكون موهبة فطرية خارقة في توقيت المرور بجانبك تماماً، ليمارسوا هواية رشق المارة بـ«شلال طائر من النيوتيلا» الطازجة، لتجد نفسك فجأة مصبوغاً بالكامل ومؤهلاً للعمل كعارض أزياء في مستنقعات الطين، ومضطراً لقضاء بقية يومك بملابس «موشحة» بألوان الخريف الموشى بالطين.

في نهاية هذه المعركة الطينية الممتعة التي نضحك فيها من شدة الوجع، نغسل أحذيتنا بخلطة سحرية من المنظفات، ونفرك ملابسنا بماء الأمل، متطلعين إلى يوم تتغير فيه هذه الوصفة المزعجة. يا ليتنا نحصل على بقلاوة، فقد تعبت أنفسنا من أكل النيوتيلا!.

أنتجت هذه المادة ضمن زمالة سناك سوري 2026.

 

زر الذهاب إلى الأعلى