يوميات مواطنأخر الأخبارالرئيسية

رحلة البحث عن حليب أطفال …. يقاوم الارتجاع والأسعار والاختفاء

نصيحة أم: حاولوا كسب صداقة الصيادلة قبل الإنجاب .. وتدرّبوا على الجري وراء علب الحليب

إذا أردت أن تُنجب طفلاً في هذا البلد، فادعو الله أولاً ألا تحتاج لحليب صناعي وأن يستطيع طفلك الرضاعة من أمه، لتوفر على نفسك رحلة العناء الطويلة بين أنواع الحليب في الصيدليات خلال أول سنة من حياة الطفل.

سناك سوري – البحث عن حليب أطفال

شاءت الأقدار أن تحتاج طفلتي للحليب الصناعي من نوع “AR” (مضاد الارتجاع)، وهنا بدأت رحلتي وزوجي لتأمين الحليب كل 4 أيام، ولا يمكن المساومة على هذا الأمر أو تأجيله لأنه الغذاء الأساسي للطفلة.

وطبعاً كلمة “رحلة” هنا لا علاقة لها بالسياحة والرفاهية، بل هي عملية استنزافية أسبوعية. حيث يتحول زوجي إلى “عدّاء” ويلف ويدور على الصيدليات في المدينة صيدلية تلو الأخرى، وحين تنتهي حيلته يبدأ بالاستعانة بالمعارف والأصدقاء الذين لديهم أقرباء صيادلة لعلهم يستخرجون علبة من تحت الأرض.

يدخل زوجي الصيدلية وعيناه تتفحصان الرفوف بصمت، ويسأل بتردد كأنه يطلب مادة محظورة دولياً أو نوع من أنواع المخدرات: “لو سمحت عندك حليب AR؟”، فينظر له الصيدلاني بنظرة حذرة قبل أن يهمس له: لحظة لشفلك، ويمدّ يده تحت الطاولة في المخبأ السري ويظهر لنا علبة الحليب التي تعادل كيلو من الذهب في تلك اللحظة.

“اللاذقية”.. أزمة حليب أطفال وصيدلي يطالب الصحة بالتعلم من “اليمن”

طفلتي لا يناسبها سوى نوعين محددين في السوق كله، وهنا تبدأ لعبة توم وجيري بيننا وبين الشركات، يختفي النوع الأول، فنعتمد على الثاني، فيختفي الثاني، فنهرع للأول، وهكذا دواليك في دورة حياة عبثية للبحث عن حليب أطفال، ونعيش برعب وجودي حقيقي.

وفي مرة من المرات، تصاعدت الأمور وانقطعت السبل تماماً لتحصيل الحليب المناسب للطفلة في مدينتنا، فاضطررنا للبحث في مدينة أخرى، ووجدنا من يشحن لنا علبة الحليب عبر وسائل النقل كأنها شحنة أثرية نادرة نخاف أن تضيع أو تختفي فجأة.

وأسوأ من كل ذلك، أننا أحياناً نضطر لشراء البديل الوهمي، وهو حليب من نوع AR لكنه غير مناسب لطفلتنا لمجرد ألا تظل بلا أكل، والنتيجة المضحكة المبكية أن هذا النوع “مضاد الارتجاع” يسبب لها الارتجاع ذاته، وكأننا نشتري الدواء ليعطينا المرض. فنضطر له لأن البديل الآخر هو اللاشيء العدم.

بورصة الحليب

عبوة حليب الأطفال تحت عمر السنة لا تعد مجرد غذاء، بل أصبحت عملة صعبة تخضع لأهواء السوق وسعر الصرف، تدخل الصيدلية فتجد أن سعر العلبة قد تغيّر بين اليوم وأمس.

حسبت الميزانية بقلب مكسور، العلبة الواحدة تزن 400غ تكفي لأربعة أيام، أي أحتاج بالشهر حوالي 7 إلى 8 علب حليب، سعر العلبة والواحدة 110 آلاف ليرة سورية قديمة أي نحتاج شهرياً حوالي 880 ألف ليرة سورية قديمة، وذلك فقط لتشرب حليب، دون أن نتحدث عن بقية المصاريف.

بعد 3 سنوات على الإعلان عنه.. ماذا حلّ بمعمل إنتاج حليب الأطفال؟

نصيحة لعزيزي وعزيزتي القراء، إذا كنتم/ن مقبلين/ات على الزواج وتفكرون في الإنجاب، لا تسألوا عن أسعار الحفاضات أو تكاليف الولادة، بل ابدأوا بتوطيد العلاقات مع صيدليات المدينة التي تسكنوها، وصيدليات المدن المجاورة، وتدربوا جيداً على الركض السريع، واحتفظوا للاحتياط برقم شركات الأدوية وإنتاج الحليب، فالأمومة والأبوة هنا لم تعد مجرد مشاعر، بل اختبار لياقة بدنية وتخطيط استراتيجي وبحث عن الأشياء المفقودة.

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى