طلاب الطب يحتجون ضد إدخال المقابلات في معدل الاختصاص .. تهدد مستقبل الطالب
معايير غائبة وترتيبات غير منصفة .. الطلاب ينقلون مطالبهم للوزارة والقرار بلا تغيير

يواجه طلاب السنة السادسة في كليات الطب السورية مشكلة جديدة مع اقتراب تخرجهم، بعدما دخلت علامات المقابلات السريرية هذا العام في المعدل التفاضلي الذي يحدد اختصاصاتهم، لتحتسب علامتها بنسبة 3% من المجموع العام.
سناك سوري _ مجدولين السلطي
وتأتي هذه العلامات بعد سنوات من الدراسة والتحضير، في وقت تكون فيه معدلات الطلاب متقاربة، وقد يؤدي فارق بسيط إلى تغيير ترتيب الطالب أو حرمانه من الاختصاص أو الجامعة التي يرغب بها.
وكانت المقابلات السريرية تُجرى خلال العام الدراسي عقب كل تدريب عملي “ستاج”، وتُستخدم كشرط للترشح إلى الامتحانات، من دون أن تدخل علاماتها في المعدل التفاضلي للاختصاص. لكن الآلية الجديدة جمعت المقابلات في نهاية العام وأدخلت علاماتها ضمن المعدل.
3% تغيّر الاختصاص
يقول “وليد 24 عاماً”، طالب السنة السادسة في كلية الطب البشري، إن اعتراض الطلاب لا يتعلق بنسبة الـ3 بالمئة بحد ذاتها، وإنما بتأثيرها على ترتيبهم في مفاضلة الاختصاص، موضحاً أن معدلات الطلاب، خصوصاً في الاختصاصات المرغوبة، تكون متقاربة جداً، وبالتالي فإن فارقاً بسيطاً في العلامة يمكن أن يغيّر ترتيب الطالب أو الجامعة التي سيحصل فيها على الاختصاص.
ويضيف أن الطالب الذي أمضى خمس سنوات في التحضير لاختصاص معين قد يخسره بسبب جزء أو جزأين من العلامة، لافتاً إلى أن الفروقات بين بعض الاختصاصات والجامعات تكون محدودة للغاية.
في حين ترى “ليان 24 عاماً” وهي طالبة في السنة السادسة أيضاً، أن إدخال المقابلات في المعدل يجعل نتيجتها مرتبطة بشكل مباشر بمستقبل الطالب، وخصوصاً لمن يخطط للبقاء في سوريا واستكمال اختصاصه فيها.
وتقول لـ سناك سوري إن تأثير المعدل قد يكون أقل على الطلاب الذين يخططون للسفر، لكن بالنسبة لمن يريد دخول الاختصاص داخل سوريا، فإن أي فارق في العلامة يمكن أن يؤثر على خياراته.

مقابلات متتالية ووقت ضيق للتحضير
ولا تتوقف اعتراضات الطلاب عند احتساب العلامة، إذ يقول “مؤمن تاجا 25 عاماً”، طالب السنة السادسة، إن المشكلة تبدأ أيضاً من الوقت المتاح للتحضير للمقابلات، مبيناً أن مقابلة الباطنة، على سبيل المثال، تشمل أكثر من 13 مادة، في حين قد لا يحصل بعض الطلاب على أكثر من يوم واحد للتحضير لها.
ويضيف “تاجا” لـ سناك سوري أن الطالب، حتى لو كان قد درس هذه المواد سابقاً، فإنه بحاجة إلى وقت لمراجعتها قبل المقابلة، وهو أمر يصبح صعباً عندما تتوالى المقابلات في أيام متتالية، مشيراً إلى إن الطالب قد ينهي مقابلة في أحد الأيام، ثم يعود إلى المنزل ليستعد لمقابلة أخرى في اليوم التالي، ما يترك له وقتاً محدوداً جداً للمراجعة.
وتشير “ليان” إلى أن الوقت المتاح للتحضير لا يكون متساوياً بين جميع الطلاب، موضحة أن بعض الطلاب يحصلون على يوم واحد أو نصف يوم قبل مقابلة الباطنة، بينما يحصل آخرون على فترة أطول عندما تكون الباطنة أول مقابلة لهم ضمن البرنامج، وترى أن ترتيب المقابلات بحد ذاته قد يؤدي إلى اختلاف الظروف التي يخضع فيها الطلاب للتقييم.

اختلاف الدكاترة واللجان
إلى جانب الوقت، يضع الطلاب مشكلة أخرى تتعلق بطريقة إجراء المقابلة نفسها، إذ يقول “ليث 24 عاماً”، طالب السنة السادسة، إن طريقة التقييم تختلف من لجنة إلى أخرى ومن دكتور إلى آخر.
ويوضح لـ سناك سوري أن كل دكتور قد يختار الأسئلة وفق اختصاصه أو طريقته في التفكير، بينما لا يوجد، بحسب قوله، مصدر واضح ومعتمد من الوزارة يستطيع جميع الطلاب الاعتماد عليه في التحضير.
ويروي “ليث” واقعة يعتبرها مثالاً على تفاوت التعامل داخل المقابلات، قائلاً إن أحد الدكاترة سأله عدداً من الأسئلة ومنحه علامة كان راضياً عنها، ثم دخل طالب آخر وسأله الدكتور عن صلته بأحد الأطباء، وعندما أجابه بأنه ابن عمه، أنهى مقابلته سريعاً.
ويؤكد “ليث” أنه لا يقدم هذه الواقعة باعتبارها دليلاً على وجود آلية عامة، لكنه يعتبرها مثالاً على تفاوت يمكن أن يحدث عندما لا تكون هناك معايير واضحة وثابتة للتقييم.
ويقول وليد إن الطالب قد يخرج من المقابلة وهو يشعر بأنه أجاب بشكل جيد وأن المقابلة سارت بصورة إيجابية، ثم يتفاجأ لاحقاً بعلامة منخفضة، لافتاً إلى أن أسلوب الدكتور وشخصيته قد يكونان عاملين مؤثرين في العلامة، وأن شعور الطالب بأن المقابلة كانت جيدة لا يعني بالضرورة حصوله على علامة مرتفعة.

اختلاف طريقة التطبيق بين الجامعات
ولا يرى الطلاب أن المشكلة محصورة داخل اللجان، إذ يقول “ليث” إن طريقة تطبيق المقابلات نفسها تختلف بين الجامعات، ويوضح أن جامعة دمشق كانت تجري المقابلة بعد كل “ستاج”، بينما جرى هذا العام تأجيل مقابلات الستاجات وجمعها في نهاية السنة.
ويضيف أن جامعات أخرى استمرت، بحسب الطلاب، في إجراء المقابلات وفق الآلية السابقة، ما يعني أن طلاباً في جامعات مختلفة قد يخضعون لظروف مختلفة من حيث التوقيت والتحضير والتقييم، معتبراً أن الاختلاف يظهر أيضاً داخل الجامعة الواحدة، بسبب اختلاف شخصية الدكتور وطريقة تفكيره وطبيعة الأسئلة التي يطرحها.
ويقول إن الطالب قد يواجه أستاذاً جامعياً متساهلاً وهادئاً وآخر أكثر تدقيقاً وتخصصاً، ما يجعل جزءاً من نتيجته يرتبط بالشخص الذي يجري المقابلة.
مقابلة سريرية من دون تدريب سريري كافٍ
ويربط “مؤمن” بين مشكلة المقابلات وبين طبيعة التدريب الذي تلقاه الطلاب خلال سنوات الدراسة، موضحاً أن التدريب السريري لم يكن بالمستوى نفسه في جميع المواد.
ويقول لسناك سوري إن التدريب في الباطنة والجراحة كان محدوداً، بينما كان الوضع أفضل نسبياً في النسائية والتوليد.
ويضيف أن المشكلة تظهر عندما لا يحصل الطالب على تدريب سريري كافٍ في المستشفى، ثم يُطلب منه الخضوع لمقابلة تحمل طابعاً سريرياً.
ويشير إلى أن الأسئلة، بحسب تجربته، تتركز في كثير من الأحيان على المعرفة النظرية، معتبراً أن هناك فجوة بين ما يفترض أن تقيسه المقابلة وبين ما أتيح للطالب فعلياً خلال فترة التدريب.

اعتصامات وكتب رسمية.. والقرار لم يتغير
ولم تكن قضية احتساب المقابلات القضية الوحيدة التي دفعت طلاب الطب إلى الاحتجاج هذا العام، إذ اعتصم الطلاب مع بداية العام أمام مبنى وزارة التعليم العالي والبحث العلمي اعتراضاً على قرارين.
ويتعلق القرار الأول بامتحان الدكتوراه وإضافته إلى الامتحان الوطني، فيما يتعلق الثاني باحتساب علامات المقابلات ضمن معدل الاختصاص.
ويقول “مؤمن” إن مديرة شؤون الطلبة التقت الطلاب خلال اعتصامهم، وأبلغتهم بأن المقابلات السريرية ستبقى اعتمادية، كما نوقشت آنذاك صيغ تتعلق بتوزيع العلامات بين الامتحان الوطني والمقابلات.
وأوضح أن مطالب الطلاب جُمعت ورفعت لمناقشتها مع الجهات المعنية، لكن ذلك لم يؤدِ، بحسب قوله، إلى تغيير القرار المتعلق باحتساب المقابلات.
من جهته، يقول ممثل الهيئة الطلابية وطالب السنة السادسة “معاذ يبرودي”، إن الطلاب التقوا معاون الوزير الدكتور “غيث ورقوزق”، وعرضوا المشكلة وطالبوا بحلها، كما رفع الطلاب كتاباً رسمياً إلى عميد كلية الطب البشري شرحوا فيه اعتراضاتهم وطالبوا بإلغاء احتساب المقابلات ضمن المعدل.
وأوضح “يبرودي” أنه تم تحويل الكتاب إلى رئاسة الجامعة والوزارة، ووصل إلى رئيس الجامعة الدكتور “مصطفى صائم الدهر”، ثم إلى نائب الوزير الدكتور “عبد الحميد خالد” إلا أن المقترح قوبل بالرفض، وبقي احتساب العلامات مرتبطاً بقرار مجلس التعليم العالي.
وأشار ممثل الهيئة الطلابية، إلى أن الطلاب عقدوا اجتماعاً مع رئيس هيئة الجودة والاعتمادية الدكتور “عمر حمادة”، لشرح المشكلة، وتلقوا وعداً بعرضها على مجلس التعليم العالي، لكن ذلك لم ينتج عنه تغيير في القرار.
سبونج بوب يساعد طالبة في تقديم محاضرة بالاقتصاد في جامعة دمشق
الطلاب لا يطالبون بإلغاء المقابلة
ويؤكد “يبرودي” أن الطلاب لا يطالبون بإلغاء المقابلات السريرية، ولا يطالبون أيضاً بتغيير نسبة العلامات أو تشكيل اللجان. لكن طلبهم الأساسي هو العودة إلى الآلية التي كانت مطبقة في السنوات السابقة، بحيث تبقى المقابلة ترشيحية ولا تدخل علامتها في المعدل التفاضلي للاختصاص.
ويوافق “ليث” على ذلك، موضحاً أن المقابلة يمكن أن تبقى موجودة، لكن من دون أن تتحول علامتها إلى عامل يحدد مستقبل الطالب واختصاصه.
أما “ليان”، فتربط مطلبها أيضاً بطريقة توزيع المقابلات، معتبرة أن قلة الوقت المتاح للمراجعة وعدم تساويه بين الطلاب يجعل البرنامج غير منصف.
بينما يرى “مؤمن” أن تطبيق القرار، إذا كان لا بد منه، يحتاج أولاً إلى توفير الظروف التي تجعل المقابلات عادلة، بدءاً من توفير البنية التحتية والتدريب، وصولاً إلى تأهيل الدكاترة ووضع آلية واضحة للتقييم.
هل المقابلة الشفهية غير عادلة بطبيعتها؟
لا يرى “معاذ” أن المقابلة الشفهية غير عادلة بحد ذاتها، ويعتبر أن الفكرة يمكن أن تكون منطقية في ظروف مثالية، خصوصاً إذا كانت هناك معايير علمية موحدة ومعروفة مسبقاً للطالب.
ويقول لـ سناك سوري إن المقابلات موجودة في امتحانات البورد حول العالم، لكن المشكلة تكمن في طريقة تنظيمها، إذ يفترض أن يعرف الطالب مسبقاً المعايير التي سيُقيّم وفقها.
ويضيف أن اعتراض الطلاب لا ينصب على مبدأ المقابلة، وإنما على غياب المعايير الموحدة، إضافة إلى الفروقات بين الجامعات، والتي قد تجعل علامات الطلاب متفاوتة بشكل كبير.

التواصل جانب لا يقيسه الامتحان التحريري
في المقابل، يرى الدكتور “حسن عبيد” ، مقيم الجراحة العصبية في السنة الثالثة، أن المقابلة الشفهية يمكن أن تكون أداة مهمة لتقييم جانب لا يظهر بالضرورة في الامتحانات التحريرية، وهو قدرة الطبيب على التواصل، معتبراً أن التواصل جزء أساسي من الممارسة الطبية، لأنه يساعد الطبيب على بناء الثقة مع المريض وفهم شكواه والحصول على قصة مرضية أكثر دقة.
ويضيف “عبيد” لـ سناك سوري أن الطالب قد يكون متفوقاً في الجانب الأكاديمي، لكنه يحتاج أيضاً إلى امتلاك القدرة على التواصل مع المريض، ولذلك يمكن للمقابلة أن تكشف جانباً من شخصية الطبيب وطريقة تواصله.
كما يمكن للمقابلة، بحسب “عبيد”، أن تكشف سرعة الطالب في التفكير والتشخيص، وقدرته على وضع التشخيصات التفريقية والبدء في بناء خطة علاجية عند عرض حالة طبية أمامه.
وبين تمسّك الطلاب بأن المقابلة لا ينبغي أن تتحول إلى علامة تحسم مستقبلهم، ورؤية أكاديمية تعتبرها وسيلة لتقييم مهارات لا تظهر في الامتحان التحريري، يبقى الخلاف الأساسي متعلقاً بطريقة تنظيمها ومعايير تقييمها.
أنتجت هذه المادة ضمن زمالة سناك سوري 2026.








