أخر الأخبارالرئيسيةتقارير

سوريا: المالية تبحث عن تغطية عجز الموازنة بين أموال المغتربين وثروات الظل

خبراء يحذرون من الخصخصة المقنعة وغياب الشفافية في إدارة أموال الصندوق السيادي

تبحث سوريا عن تغطية عجز الموازنة بين أموال المغتربين وثروات الظل، وقد فتحت تصريحات وزير المالية “محمد يسر برنية” حول التوجه لطرح أدوات جديدة لتمويل عجز الموازنة تفادياً للتمويل النقدي من المصرف المركزي، باب النقاش حول قدرة السوق المحلية على تغطية العجز الذي يصل إلى 1.8 مليار دولار.

سناك سوري _ هبة الكل

وعلى هامش اجتماعات صندوق النقد والبنك الدولي، يكشف تصريح وزير المالية، عن تحولات في السياسات المالية أمام تخوف عام من خصخصة الأصول، وأمل بالتعافي وإعادة الإعمار، وبالرغم من أن موازنة المواطن لم تأت على ذكر الإصدارات المحلية والصندوق السيادي لرفد العجز، كما نلحظ تبايناً في التصريحات الرسمية حول قنوات تمويل النفقات، وفي ظل غياب بيئة تشريعية ناظمة، يشتد النقاش الاقتصادي حول الاستراتيجية المالية التي تدير بها الحكومة موازنتها، ومدى ملائمتها للواقع الراهن وتحدياته.

أدوات تفرضها المرحلة 

يشير وزير المالية في تصريحه إلى أن تمويل العجز سيأتي عبر إصدارات سندات وصكوك، معظمها في السوق المحلي، مع إمكانية اللجوء إلى إصدارات خاصة بالعملات الأجنبية بشكل محدود.

تقول الباحثة في الاقتصاد السياسي “شكران أبو سالم” لـ سناك سوري أن خطاب المالية عن السندات والصكوك، لا يعكس بالضرورة فشل الإيرادات في تغطية العجز، بل يعبر عن أدوات تكميلية تفرضها المرحلة الراهنة من إعادة الإعمار والتي تتطلب تنويعاً في مصادر التمويل.

الصناعة تطرح معمل مياه الدريكيش للاستثمار .. خبير يحذّر من خصخصة القطاع المائي

وأشارت “أبو سالم” إلى أنّ هذا التوجه الذي أطلق من واشنطن، يحمل رسالتين، الأولى داخلية، تهدف إلى إعادة تعريف العلاقة بين الدولة والمواطن، تمهيداً لإنهاء حقبة الدولة الأبوية، والانتقال نحو المسؤولية المشتركة، والثانية خارجية، موجهة للحلفاء والمجتمع الدولي، مفادها طمأنة الخارج، بأن مؤسسات الدولة بدأت تستعيد السيطرة على مفاصل الاقتصاد وتقليص نفوذ شبكات الاقتصاد غير الرسمي، وأن دمشق لم تعد عبئاً دولياً بل تسعى لأن تكون شريكاً اقتصادياً فاعلاً.

في حين، يرى الباحث الاقتصادي والمالي الدكتور “محمود عبد الكريم” أن التوجه الحكومي يحمل رسالة سياسية موجهة لصندوق النقد والبنك الدوليين، مضيفاً أن عودة انخراط سوريا مجدداً في المؤسسات الدولية أمرٌ يتطلب إثبات المصداقية في اتباع المعايير الدولية، وفي مقدمتها، ضمان استقلالية البنك المركزي، وفصل السياسة النقدية عن المالية لإظهار الانضباط المالي، فضلاً عن تهيئة بيئة من الإصلاحات الهيكلية تحتاجها الحكومة أمام الإدارتين الأمريكية والأوروبية، في لحظة تفاوضية دولية دقيقة.

تجنّب تمويل المركزي

وصلت نسبة العجز في موازنة سوريا عام 2021 لأكثر من 188%، وقد اعتمد على تمويل العجز من المصرف المركزي، فيما أعلن حاكم المصرف المركزي الحالي “عبد القادر حصرية” نهاية مرحلة التمويل النقدي من المركزي لتغطية العجز.

المالية تكشف تنفيذ موازنة 2025 .. وتعلن تحقيق فائض 46 مليون دولار

الخبير الاقتصادي “عامر شهدا” قال لـ سناك سوري أن التصريحات الرسمية عن سد العجز بالسندات والصكوك، مع إمكانية إشراك الصندوق السيادي، يعني إلغاء صندوق الدين العام، وبالتالي إنهاء دور مصرف سوريا المركزي في رفد الموازنة، الأمر الذي يتطلب توضيحاً حكومياً رسمياً حول جدوى البدائل المتاحة، والسياسة المالية المتبعة اليوم.

ويرى “شهدا” أن السياسة النقدية الحالية ليست انكماشية كما يراها البعض بسبب “حبس السيولة”، ويعتقد أن السوق تعاني عجزاً حاداً في السيولة وليس حبساً لها، مستدلاً بعدة مؤشرات بينها تسعير السلع في الأسواق بالدولار، ورفض تداول العملة المحلية في بعض مناطق البلاد، وإلزام المواطنين بدفع بعض المخالفات الحكومية أو الضرائب والرسوم بالدولار، ووضع سقف محدد للسحب والتحويل اليومي من المصارف، بالإضافة إلى عدم وجود توازن نقدي بين الكتلة النقدية من العملة القديمة، والكتلة المطبوعة من العملة الجديدة المخصصة للاستبدال.

أما “عبد الكريم” فأرجع سياسة تجنّب التمويل من المركزي، إلى محاولة حمايته من الانهيار وتخفيف حدّة التضخم، مضيفاً أن المركزي وصل إلى حدود طاقته الاستيعابية القصوى، مع ضعف ما لديه من الاحتياطي الأجنبي، ومحدودية قدرته على التدخل في سوق الصرف، معتبراً أن أي تمويل نقدي إضافي سيقود المركزي إلى انهيار مؤسسي كامل.

غياب الموازنة يفتح الأبواب أمام الفساد؟ .. كيف اعتمدت موازنة حكومة عرنوس بعد سقوط الأسد؟

هل تغطّي السوق المحلية عجز الموازنة؟

تتجه الحكومة السورية إلى تعويض “تمويل العجز من المركزي” بطرح سندات وصكوك للاكتتاب المحلي، ما أثار تساؤلات حول قدرة السوق المحلية على تغطية العجز، في ظل وصول معدلات الفقر إلى 90%.

ويعتقد “عبد الكريم” أن نسبة الفقر الواسعة تظهر أن الغالبية العظمى من السوريين خارج حسابات تمويل عجز الموازنة بالصكوك والسندات، ما يعني استهداف شريحتين فقط، تتمثل الأولى بأموال المغتربين السوريين الذين يضخون مئات الملايين من الدولارات سنوياً كحوالات رسمية أو غير رسمية، لكنه لفت إلى أن جذب أموالهم للاكتتاب يتطلب مستويات عالية من الثقة بأن الحكومة ستفي بالتزاماتها في موعدها، وبأن العملة ستحافظ على قيمتها، الأمر الذي لا يتوفر حالياً.

الشريحة الثانية بحسب “عبد الكريم” هي أصحاب “ثروات الظل” كما وصفهم، معتبراً أنهم راكموا سيولة ضخمة خارج النظام المصرفي الرسمي، حيث يقدّر صندوق النقد الدولي حجم الاقتصاد غير الرسمي في سوريا بين 60 و70% من الناتج المحلي الإجمالي وفق حديثه.

واعتبر أن الكتلة المتبقية إن توفرت فهي خارج النظام المصرفي بسبب غياب الثقة بقدرة الحكومة على السداد، ما يؤدي إلى إحجام أصحاب هذه الكتلة عن وضع أموالهم في السوق المحلية، مشيراً إلى أن الاستعاضة عن المركزي بالسوق المحلي يعني الاعتماد على فئة ضيقة لا تتجاوز 10% من السوريين، ما سيقود لمنافسة هشّة ومحدودة، تدفع الحكومة لرفع أسعار الفائدة لتشجيع الاقتراض، مما يضاعف أعباء الدين العام، ويؤدي لمزاحمة القطاع الخاص عبر سحب السيولة المخصصة للاستثمار الإنتاجي وفق حديثه.

سوريا 2026 بلا موازنة عامة .. استمرار العجز وارتفاع الواردات وتواضع الصادرات

هل بورصة دمشق جاهزة للتحوّل؟

يظهر تقرير بورصة دمشق لعام 2025 تركزاً حاداً في بنية التداول في القطاع المصرفي الذي يتسيّد المشهد، مقابل غياب أي حجم لتداول القطاع الزراعي:

يشير “عبد الكريم” إلى أن هذا التوزيع يثبت أن البورصة السورية باتت سوقاً مصرفياً يدور في حلقة مفرغة وبعيدة عن الاقتصاد الوطني وروافده المتنوعة، وبالرغم من ارتفاع قيمة التداول بنسبة 36% مقارنة بعام 2024، إلا أنه ارتفاع اسمي، ناتج عن التضخم وانخفاض قيمة العملة المحلية، لا عن نشاط إنتاجي واقتصادي حقيقي.

ويؤكد “عبد الكريم” لسناك سوري، أن سوريا لا تملك ورقة مالية حكومية قابلة للتداول اليوم، لا سنداً ولا صكاً ولا أي أداة دين منظمة، وأن نشاط بورصة دمشق، كان مقتصراً على أسهم عدد محدود من الشركات الخاصة والمختلطة قبل أن يتوقف هذا النشاط عملياً منذ 2011.

تضارب التصريحات الحكومية

تضمّن تصريح وزير المالية إشارة إلى مشاركة “الصندوق السيادي” في تمويل موازنة 2026، فيما تقول نسخة الموازنة الصادرة عن الوزارة أن مساهمة قطاع النفط والغاز بـ 27.9% من الإيرادات المتوقعة، فيما صرّح مدير الشركة السورية للبترول “يوسف قبلاوي” أن الشركة تقوم بأدوار سيادية عبر تمويل الخزينة بنسبة 80% وفق حديثه، ما أظهر تضارباً في التصريحات والنسب المعلنة.

وحذّرت “أبو سالم” من خلط الأدوار بين الصندوق السيادي والمصرف المركزي، ومن مخاطر تركّز الأدوات المالية الجديدة بأيدي طبقة محدودة من كبار الرأسماليين، مما يشرعن عودة اقتصاد الظل بعباءة رسمية وفق حديثها، مضيفة أن هذه الأدوات قائمة على مسألة الثقة وتشكّل اختباراً للدولة في استقرارها السياسي والاقتصادي.

الخبير في مجال الحوكمة “مظهر شربجي” قال أن الأمر ليس مجرد سوء تنسيق إعلامي، بل يعكس وجود آليتين حكوميتين مختلفتين في تناول الموازنة والإيرادات.

مرسوم الصندوق السيادي السوري .. جدل حول مخالفة القانون والصلاحيات المطلقة

ويضيف المهندس “شربجي” لـ سناك سوري أنه مع غياب موازنات حقيقية ومدروسة، تحولت الوزارات إلى عبء تمويلي مستهلك للكتلة النقدية عوضاً عن كونها روافد اقتصادية للفائض، حيث تذهب جل ميزانياتها للرواتب والأجور والنفقات الإدارية في ظل شلل المشاريع الاستثمارية وغياب الفوائض التشغيلية.

من جهة أخرى، لفت “شربجي” إلى خطورة طرح السندات والصكوك دون خبرات محلية كفوءة وحوكمة رشيدة تبدأ من سيادة القانون، مروراً بالشفافية والتشاركية وتنتهي بالمساءلة والمحاسبة، وإلا يتحول العجز الحالي إلى ديون متراكمة على الأجيال القادمة.

الصندوق السيادي ودوره في الموازنة

بدوره، حذّر “عبد الكريم” من تحول قطاع النفط والغاز إلى أداة شبه نقدية لسد العجز الآني بطلب من وزارة المالية، معتبراً ذلك استنزاف خطير لرأس المال التشغيلي لقطاع حيوي متهالك يحتاج بالأساس إلى استثمارات ضخمة لإعادة التأهيل.

ويشير إلى التناقض الهيكلي، إذ أن الصناديق السيادية، كصندوق “النرويج” أو الخليج والتي نشأت على فوائض نفطية ضخمة ومتواصلة لعقود، هي أدوات تشكلت بعد تراكم الثروات من فوائض حقيقية على المدى البعيد، وليست أدوات سيولة آنية لتغطية عجز في موازنة جارية، ويقول: «سوريا اليوم لا تملك أصولاً مقيمة ومحولة للصندوق، ولا حوكمة معتمدة له، وبالتالي فإن ذكر الصندوق في الموازنة هو نوع من الوعود السياسية أكثر من كونه خطة قابلة للتطبيق عملياً».

ويلخّص “عبد الكريم” تحديات طرح السندات والصكوك حالياً بهشاشة الجهاز المصرفي، والتعطل الفعلي لمنظومة “سويفت” وانعدام التصنيف الائتماني السيادي لسوريا، وغياب سوق ثانوية لتداول هذه الأدوات في ظل غياب بنية تشريعية ناظمة لإصدار الدين الحكومي، والضامنة لحقوق حاملي السندات وآليات التقاضي، مما يهدد بتجميد هذه الأصول والعجز عن تسييلها لسنوات.

الخطر الأكبر يكمن بحسب “عبد الكريم” في التحول إلى الخصخصة المقنعة، ففي إصدار صكوك حكومية دون تقييم مستقل وشفاف للأصول السيادية المتضررة حتى اللحظة، كالبنية التحتية النفطية أو العقارات الحكومية، إلى جانب عدم وجود مسح شامل للأصول الحكومية الاقتصادية، وبعيداً عن رقابة البرلمان وموافقته على كل إصدار وقيمته وآلية تقييمه، قد يمنح المستثمرين الأجانب أو المحليين حقوقاً قانونية في إيرادات هذه الأصول الاستراتيجية وإدارتها، وبالتالي خروجها عن السيادة الوطنية.

زر الذهاب إلى الأعلى