أخر الأخبارالرئيسيةرأي وتحليل

التجربة المُغيبة.. هل الشعب السوري جاهز للديمقراطية؟

من النقابة والبلدية إلى البرلمان والرئاسة .. غابت الانتخابات على حساب التعيينات

لم يكن جديداً ظهور بعض الأصوات في سوريا بجاهزية كاملة للرد على الداعين لإقامة نظام ديمقراطي حرّ والاحتكام لصوت الناس وآرائهم، مستعملين ذريعة شهيرة مفادها أن الشعب السوري غير جاهز للديمقراطية.

سناك سوري _ محمد العمر

المشهد الرافض للديمقراطية ظهر في نسخته الأولى منذ العام 2011 حين رفع المتظاهرون شعار الحرية في وجه النظام، فما كان من مناصريه ومؤيديه إلا أن يستخدموا عبارات وذرائع من قبيل “هذا الشعب لا تليق به الحرية” و”لسنا جاهزين للديمقراطية”، مع تفنيدات ونظريات بأن الدول الديمقراطية تمتلك شعوباً تتمتع بقدرٍ عالٍ من الوعي، على عكس بلادنا التي ابتلى الله أنظمتها بشعبٍ لا يمتلك الوعي الكافي ليستحق الحرية والديمقراطية.

اللافت أن هذه النظريات عادت للظهور اليوم بعد سقوط النظام، مع إضافةٍ جديدة من أحد أنصار السلطة الحالية دعا خلالها إلى إقامة نظام حكم ملكي وعدم التشبّث بالجمهورية أصلاً، إلى جانب حملة التشكيك والتخوين ضد دعاة الديمقراطية، بالتوازي مع “التبرير الجاهز” للتفرّد باتخاذ القرار بأننا نعيش مرحلة انتقالية ونفتقد للاستقرار اللازم سواءً لإجراء انتخابات أو لتشكيل حكومة جامعة.

مؤتمر الحوار السوري .. يبدأ ببيعة منفردة وينتهي بإجماع على خارطة طريق المرحلة الانتقالية

هل الشعب السوري جاهز للديمقراطية؟

الإجابة على هذا السؤال تكمن برفضه، فهو سؤال غير جائز بالأصل، لما فيه من تحقير لقيمة الشعب السوري، فمن حيث المبدأ لا يوجد شعب تليق به الديمقراطية وشعب لا تليق به أو لا يستحقها، ولا يوجد شعب واعٍ ومثقف يستحق الحرية والحق في اتخاذ القرار وشعب جاهل وطائش يحتاج من يقوده ويرشده وعليه الطاعة لأنه “قاصر” ولا يعرف أين تكمن مصلحته.

الشعب السوري مثل أي شعب آخر، يضم المثقفين والمتعلمين والأكاديميين والأطباء والعمال والفلاحين، يضم النساء والرجال والشباب والشيوخ، ويضم اللصوص والفاسدين والقتلة والمحتالين .. إلخ، مثل أي شعب آخر تماماً، إذ لا يوجد شعب نقيّ 100% من الجهل والجريمة مثلاً، ولا يوجد شعب يحمل كل أفراده شهادة دكتوراه، ولا يجب أن يكون كذلك حتى ينال حرية التعبير عن رأيه.

التجربة الديمقراطية السورية الأولى.. البرلمان و لجنة الدستور قبل 100 عام

يحمل هذا السؤال عنصرية مباشرة، تضع شروطاً على الشعوب لتحديد ما إذا كانت تستحق الديمقراطية أم لا، فيما تفترض دولة المواطنة أن أي إنسان يحمل جنسية البلد مواطن كامل الحقوق، وله الحق في الاختيار والتصويت دون النظر إلى طبيعة عمله أو طبقته الاجتماعية أو مكانته أو شهادته العلمية، يكفيه أنه سوريّ ليملك الحق في اختيار ممثليه واختيار نظام الحكم.

التجربة الديمقراطية السورية

من جانب آخر، فإن 6 عقود من العيش تحت استبداد البعث لن تمحو التاريخ الذي سبقها، فقد عاشت سوريا فترة اعتاد البعض تسميتها بالعصر الذهبي لتاريخ سوريا الحديث بين عامي 1954 و1958، حين انتعشت الحياة السياسية وأصبحت الديمقراطية واقعاً لا خيالاً، وشارك السوريون في الانتخابات البرلمانية عام 1954 التي تعدّ أهم مثال ديمقراطي في تاريخ سوريا السياسي، إذ جمعت تحت قبة البرلمان، مختلف الأطياف السياسية السورية الممتدة من “الإخوان المسلمين” في أقصى اليمين إلى الحزب الشيوعي في أقصى اليسار وما بينهما من حزب الشعب والبعث والحزب الوطني والمستقلين.

كما شهد العام 1955 تسليم الرئيس “هاشم الأتاسي” سلطاته الدستورية للرئيس المنتخب “شكري القوتلي” تحت قبة البرلمان، بعملية ديمقراطية راقية لا تشوبها دماء ولا عنف ولا تشبّث بالسلطة بل تسليم بنتائج الانتخابات.

تمثيل النساء في سوريا… نظرة على رواندا

الديمقراطية في المرحلة الانتقالية

بعد سقوط نظام الأسد في 8 كانون الأول 2024، كان من المتوقع أن يصبح “أحمد الشرع” رئيساً مؤقتاً بحكم قيادته لعمليات “ردع العدوان” التي كانت آخر جولة معارك أسقطت النظام بعد 14 عاماً من انطلاق الثورة ضده، وإن كان إعلان “الشرع” رئيساً تمّ بمؤتمر حضره قادة الفصائل العسكرية فقط وغاب عنه أي تمثيل سياسي أو مدني.

في المرحلة التالية، تم إقرار الإعلان الدستوري دون مشاورات ونصّ على طريقة لتشكيل مجلس الشعب دون انتخابات عامة، تحت ذرائع مفهومة مثل عدم إحكام السلطة في دمشق سيطرتها على كامل الجغرافيا السورية، وتعذّر إجراء الانتخابات بدون إحصاء للسكان ووجود أعداد كبيرة من النازحين داخلياً فقدوا ثبوتياتهم، ووجود ملايين السوريين في الخارج، وصعوبة ضمان الوضع الأمني لإتمام العملية الانتخابية.

لو كنتُ وزيراً لعيّنت إخوتي.. حسن الدغيم يشعل جدلاً واسعاً حول تعيين الأقارب

وإن تقبّل السوريون هذا التبرير لعدم إجراء انتخابات برلمانية، فما السبب وراء إجراء انتخابات على مستويات أصغر واللجوء إلى الديمقراطية كوسيلة تمنح المواطنين حق اختيار ممثليهم.

فعلى مستوى الإدارة المحلية، تم اللجوء إلى التعيينات القادمة من العاصمة لاختيار مجالس المحافظات والمدن والبلديات وحتى القرى، ومنع الناس بذلك عن اختيار ممثليهم على المستوى المحلي.

كما أن الانتخابات غابت في الدوائر الأصغر مثل النقابات والاتحادات، رغم إمكانية إجراء انتخابات بكل سهولة داخل قاعة واحدة يمكن للنقابيين من خلالها اختيار ممثليهم، لكن التعيينات كانت الخيار الأسهل والأوضح لدى السلطة المركزية التي اختارت مجالس إدارات النقابات المركزية وفروعها في المحافظات دون رجوع لرأي النقابيين.

في نهاية المطاف، فإن الديمقراطية حق غير مشروط، وهو حق يستحقه السوريون بعد نضالهم في وجه نظام مستبد ورفعهم شعار الحرية كأول مطلَبٍ دفعهم للثورة على النظام، ليتمكنوا من التعبير عن أنفسهم وآرائهم واختيار ممثليهم والمشاركة في صناعة القرار، دون خوف ودون قمع ودون عنف.

هل نحن حقاً عاجزون؟ بلال سليطين

زر الذهاب إلى الأعلى