أخر الأخبارالرئيسيةتقارير

غياب الموازنة يفتح الأبواب أمام الفساد؟ .. كيف اعتمدت موازنة حكومة عرنوس بعد سقوط الأسد؟

من يحاسب الوزارات بغياب البرلمان وتقييد صلاحياته؟ .. السلطة التنفيذية تعمل بدون رقيب

يتواصل غياب الموازنة العامة للدولة في سوريا ومعه غياب مجلس الشعب، لتبقى الحدود مشرّعة أمام ثغرات الفساد والهدر دون مساءلة ومحاسبة تستند إلى الحدود التي ترسمها الموازنة.

سناك سوري _ محمد العمر

وللعام الثاني على التوالي تبقى البلاد بلا موازنة عامة، تحدّد سياسات وحدود الإنفاق والجباية لكل وزارة، وترسم ملامح السياسة الاقتصادية للبلاد وخطتها للسنوات القادمة وما تستدعيه من إجراءات ومراسيم لتطبيق هذه الخطط.

الموازنة بدايةً تعني خطة الحكومة للسنة المقبلة، حيث يتم تقديم الموازنة للبرلمان مع نهاية العام، لتكون خطةً للعام التالي، وترسم بها الحكومة حدود الإنفاق والجباية لكل وزارة من وزاراتها.

الوجه السياسي للموازنة

من جانب آخر، تضم الموازنة فلسفةً عامة تبنى على أساسها السياسة المالية والنقدية للدولة، فمثلاً إن كان هناك توجه لدعم الزراعة على مدى السنوات الخمس المقبلة، تقدّم الموازنة خطة لدعم القطاعات الزراعية سواءً عبر تقديم قروض للفلاحين، أو مواد زراعية وأسمدة ومبيدات بأسعار مدعومة، واستيراد تقنيات حديثة للري واستصلاح الأراضي مثلاً، وبذلك يمكن القول أن الحكومة تتجه نحو دعم الزراعة والطبقات الفقيرة والمتوسطة التي تقوم حياتها على هذا القطاع.

سوريا 2026 بلا موازنة عامة .. استمرار العجز وارتفاع الواردات وتواضع الصادرات

أي أن الموازنة تحمل طابعاً سياسياً إلى جانب طابعها الاقتصادي، فهي ليست مجرد أرقام ومبالغ، بل وجهة نظر سياسية تعبّر عن مكوّنات الحكومة ووجهتها.

موافقة البرلمان كشرط أساسي

وبناءً على ذلك، يقوم البرلمان في لجانه وهيئته العامة بالتصويت على الموازنة باباً باباً، إلى أن يتم إقرارها بموافقته سواءً رفضها كاملةً أو طلب تعديل أجزاء منها أو وافق عليها، إلا أن موافقته شرط أساسي لا يمكن الاستغناء عنه.

وتعتبر موافقة البرلمان على الموازنة بمثابة “توكيل” للحكومة من الشعب، للإنفاق والجباية بحدود ما جاء في الموازنة، وأي خروج عن هذه الحدود يعدّ مخالفة وإنفاقاً غير شرعي يستوجب المساءلة تحت قبة المجلس.

السلطة جذابة للفساد بغياب المحاسبة

قال مدير منظمة اليوم التالي “معتصم السيوفي” لـ سناك سوري أن الإعلان الدستوري قام بتركيب سلطة في المرحلة الانتقالية لا تحتوي مساءلة ومحاسبة للسلطة التنفيذية، مبيناً أن “السلطة التشريعية/ البرلمان” الذي لم يكتمل تشكيله، لا يمتلك صلاحية مراقبة السلطة التنفيذية، ويمكنها فقط عقد جلسات استماع للوزراء وإقرار القوانين واقتراحها لكنها لا تملك حق المحاسبة.

وأضاف “السيوفي” أن السلطة التنفيذية في سوريا اليوم لا تُحاسَب، كما أن المحكمة الدستورية غائبة، ولا يزال العمل مستمراً بما كان قائماً في عهد النظام السابق، حيث يتولى رئيس الجمهورية رئاسة مجلس القضاء الأعلى ويضم بعضويته وزير العدل ومسؤولين تعيّنهم السلطة التنفيذية، ما يعني غياب استقلال وتوازن للسلطات في البلاد على حد قوله.

موازنة سوريا 2024 ترتفع ظاهرياً 115% وتتراجع فعلياً إلى 3.1 مليار دولار

أما رئيس “الحزب الليبرالي السوري -أحرار” “بسام القوتلي” فقال أن الرقابة على الحكومة حالياً غائبة تماماً، رغم أنها أمر ضروري لتعمل الحكومة بشكل أفضل، كما أن القوانين والتشريعات التي تصدر حالياً خارج صلاحيات السلطة التنفيذية ويجب أن تكون ضمن صلاحية البرلمان.

وأوضح “القوتلي” لـ سناك سوري أن الشفافية والمشاركة في صناعة القرار مسائل ضرورية، ويجب بناء ثقافة جديدة بهذا الشأن، مضيفاً أن السلطة في أي مكان في العالم جاذبة للفاسدين، معتبراً أن كثيرين من رجال النظام السابق مع فاسدين جدد سيلتحقون بالسلطة الجديدة، وبغياب الشفافية وآليات المحاسبة سنجد أنفسنا يوماً تلو آخر نعيد بناء منظومة فاسدة.

الموازنة الاثني عشرية

نصّ دستور 2012 في سوريا على إلزام الحكومة بعرض مشروع الموازنة على مجلس الشعب قبل شهرين على الأقل من بداية السنة المالية، ثم قالت المادة 80 أنه في حال لم ينتهِ المجلس من إقرار الموازنة حتى بداية السنة الجديدة يعمل بموازنة السنة السابقة حتى اعتماد موازنة السنة الجديدة وتحصَّل الإيرادات وفقاً للقوانين والأنظمة النافذة.

هذه القاعدة تم الاعتماد عليها حين قررت السلطات الانتقالية بعد سقوط النظام السابق، رفض موازنة 2025 التي أقرها آخر برلمان في عهد الأسد، وأقرت العمل بموازنة 2024 وفق مبدأ “الاثني عشرية”، والذي يعني تقسيم الموازنة إلى 12 جزءاً يمثل كل منها شهراً واحداً، إلى أن يتم اعتماد موازنة جديدة.

سوريا بلا موازنة لعام 2026… وعود وزير المالية بالشفافية تبخّرت؟!

بعد ذلك، تم وقف العمل بدستور 2012 وتم اعتماد “الإعلان الدستوري” كمرجع أعلى في البلاد، ونصّ بدوره في المادة 30 منه على أن مجلس الشعب يتولى بين مهامه إقرار الموازنة العامة للدولة، ولم ينص على أن المجلس يقرّ كذلك “الحساب الختامي” للموازنة الذي يتحقق في نهاية العام من التزام الحكومة بما وعدت به في السنة السابقة.

لكن المعضلة التي واجهت السلطة، أن مجلس الشعب لم يكتمل تشكيله مع نهاية 2025، ما يعني الدخول في سنة مالية جديدة دون موازنة.

كما نصّت المادة ذاتها على أن مجلس الشعب يعقد جلسات “استماع” للوزراء، وليس محاسبة أو تحقيق، ولم يمنحه صلاحية رفع الثقة عن وزير أو عن الحكومة ككل، ما اعتبره البعض تفريغاً لواحدة من أهم مهام المجلس في المراقبة والمحاسبة.

وبناءً على هذه المعطيات، فإن إنفاق الوزارات اليوم سواءً كان ملتزماً بموازنة 2024 أم لا، يبدو ملتبساً في غموض الجهة التي ستحاسبها عليه، ولن يظهر وجود خلل أو تجاوز من عدمه إلا عند إقرار قطع حساب لموازنة 2025، وهو خارج مهام البرلمان، ما يعني أن مهمة المحاسبة غامضة في هذا الخصوص.

يضاف إلى ذلك وحتى ولو غاب مجلس الشعب وإقرار الموازنة فهذا لا يعني أن يغيب إعلان الموازنة والشفافية في صرف الاعتمادات والخطط المالية.

ما الذي تغيّر بين 2023 و2025؟

تم إقرار موازنة السنة المالية 2024 (المعتمدة اليوم) في تشرين الثاني 2023، أي في عهد حكومة “حسين عرنوس”، وكانت قيمتها 35.5 تريليون ليرة والتي تعادل 3.1 مليار دولار على أساس سعر الصرف الرسمي حينها 11557 ليرة، بينما كان سعر السوق 14000 ليرة أي 2.5 مليار دولار.

المالية تعد المواطنين بالرفاه في موازنة العام القادم

وكانت الموازنة تنقسم إلى 26.5 تريليون ليرة للنفقات الجارية و9 تريليون ليرة للنفقات الاستثمارية، وفي تفاصيلها تم تخصيص 6.2 تريليون ليرة للدعم الاجتماعي موزعة على دعم المشتقات النفطية والخميرة والمناطق المتضررة من الزلزال والصندوق الوطني للمعونة الاجتماعية، ومخصصات للانتقال إلى الري الحديث وصندوق دعم الإنتاج الزراعي، وصندوق التخفيف من آثار الكوارث والجفاف.

في المقابل، غيّرت السلطة الجديدة من التوجهات العامة للدولة منذ المرحلة الأولى لما بعد سقوط النظام، فأعلنت رفع الدعم عن السلع الأساسية والمحروقات والخبز وعن دعم الزراعة عموماً.

وبينما كانت موازنة 2024 تتوقع إيرادات بقيمة 26 تريليون ليرة منها 15 تريليون من الإيرادات الجارية كالضرائب والرسوم وغيرها، و11 تريليون ليرة إيرادات استثمارية من نشاط شركات القطاع العام.

لكن المشهد تغيّر في مرحلة ما بعد سقوط النظام فقد تم تغيير خارطة الإيرادات بشكل واسع، سواءً بإلغاء الخدمة العسكرية ودفع “البدل” الذي كان يشكل مورداً هاماً للخزينة في عهد النظام، فضلاً عن تغيير السلطة الجديدة حجم ونسب الجمارك على البضائع بمختلف أنواعها لا سيما السيارات والأجهزة الإلكترونية.

ما يطرح تساؤلات عن كيفية توزيع الموازنة وإبقائها على حالها رغم تغير الظروف وانقلاب المشهد بين 2024 و2025 وحتى السنة الحالية.

مبدأ الاثني عشرية لتوزيع الموازنة المالية.. كل شهر بشهره

 

وتطرح هذه المعطيات أسئلة وعلامات استفهام واسعة حول كيفية الإنفاق والجباية في عهد الحكومة الحالية، وما يسببه غياب آليات المحاسبة من تشريع لحدود الفساد ووضع قيود على الإنفاق والجباية تقيّد على الحكومة بقيود الموازنة وتجعلها حذرة من أي خروج عن بنودها، والأخذ بعين الاعتبار وجود قوة برلمانية للمحاسبة والمساءلة.

زر الذهاب إلى الأعلى