سوريا 2026 بلا موازنة عامة .. استمرار العجز وارتفاع الواردات وتواضع الصادرات
اندفاع نحو الاستيراد.. ماهي قيمة العجز بالميزان التجاري وتخفيضات رفع الدعم؟

دخلت سوريا عامها الثاني بدون موازنة للسنة المالية 2026 تحدد سياسات الإنفاق والجباية للحكومة، في ظل استمرار العمل بالموازنة “الاثني عشرية” وغياب انعقاد البرلمان لإقرار موازنة جديدة، وارتفاع العجز بالصادرات مقابل الورادات.
سناك سوري _ هبة الكل
وبعد سقوط نظام بشار الأسد في 8 كانون الأول 2024 قررت الحكومة الجديدة اتخاذ إجراء إسعافي باعتماد موازنة 2024 مؤقتاً للعام 2025 على أساس قاعدة “الاثني عشرية” عبر تقسيم مجموع الموازنة إلى 12 جزءاً شهرياً لتسيير النفقات.
وزير المالية السابق “محمد أبا زيد” أرجع سبب عدم الاعتماد على موازنة 2025 التي أقرها البرلمان قبيل سقوط النظام، باتساع نسبة العجز فيها وبلوغها 12 تريليون ليرة، إضافة لتغير المعطيات الاقتصادية حينها. فيما أعلن وزير المالية الحالي “محمد يسر برنية” في نيسان 2025 البدء بإعداد مشروع موازنة تكميلية لعام 2025، والتحضير لموازنة 2026، إلا أن تلك الوعود لم تجد سبيلاً للتحقق على الأرض.
تسبب الوضع الراهن في تفاقم التحديات المالية، مما ساهم في عجز موازنة سوريا الذي أصبح عبئاً ثقيلاً على الحكومة.
غياب الأرقام المعلنة
قال الخبير الاقتصادي “علي محمد” أنه لا يوجد أرقام رسمية معلنة بما يخص الموازنة، وأكد أن الوضع الحالي سيؤدي إلى تفاقم العجز، مما يوضح عجز موازنة سوريا بشكل أكبر.

وأوضح “محمد” في حديثه لـ سناك سوري إن الموازنة “الاثني عشرية” تتميز بالمرونة في التعاطي الاقتصادي مقارنة بالموازنة السنوية، معتبراً أنها أدت عملها بالحدود المعقولة لا سيما الإنفاق الجاري ببنوده وأهمها الرواتب والأجور، مبيناً أن الحكومة سعت لتقليل العجز في الموازنة العامة بالتصويب نحو الإنفاق الجاري.
الدعم مقابل العجز
بدأت الحكومة السورية الأولى بعد سقوط النظام باتخاذ قرارات رفع الدعم الحكومي عن الخبز والمحروقات، فيما كان الوزير “برنية” يبشّر السوريين بأن موازنة 2025 ستنتهي إما بعجز قليل أو فائض قليل وأن الحكومة لن تلجأ للاقتراض من المصرف المركزي لتمويل العجز وفق حديثه.
في هذا الإطار، يبين الخبير السوري “ محمد” أن إجراءات رفع الدعم تلك وبيع المشتقات النفطية بالأسعار العالمية ساهم في رفد الموازنة العامة.
وأضاف لسناك سوري: «وإن كانت التصريحات الرسمية تأتي على وجود دعم للخبز رغم ارتفاع ثمنه، إلا أن رفع الدعم عموماً ساهم في تقليص كتلته الموجودة ضمن بنود الإنفاق العام مما ساهم في زيادة الوفرة كحصيلة من الإيرادات العامة».

ويعتبر أن الأداء الحكومي الاقتصادي، بقراراته حاول التخفيف من البيروقراطية وتبسيط التراخيص، وانتهاج الدبلوماسية الاقتصادية الناعمة.
وقال: «كان واضحاً أن السعي نحو أن يكون القطاع الخاص هو الرائد والدافع لعملية التنمية الاقتصادية بالتعاون مع الشركاء المستثمرين سوريين أم أجانب».
اندفاع نحو الاستيراد وانخفاض بالصادرات
تكشف تقارير اقتصادية غير سورية عن قيمة ونوعية بعض الواردات إلى سوريا، فولاية كهرمان مرعش التركية صرحت عن 36 مليون دولار كرقم صادراتها إلى سوريا خلال عام 2025، معظمها أدوات مطبخ ومواد نسيجية خام.
بينما دائرة الإحصاءات العامة الأردنية كشفت عن قيمة الصادرات الأردنية إلى سوريا والبالغة نحو 214.4 مليون دولار، بنسبة زيادة وصلت إلى 390.3% خلال النصف الأول من عام 2025.
فيما وصلت قيمة الواردات الأردنية من سوريا إلى قيمة 95.9 مليون دولار، بنسبة زيادة 100%.
بالمقابل تأتي بيانات الهيئة العامة للمنافذ البرية والبحرية إلى جانب الهيئة العامة للطيران المدني مجملة غير تفصيلية القيمة والمواد.
وإن كانت الهيئتان السابقتان الوحيدتان اللتان صدرت عنهما أرقام اقتصادية، إلا أن أرقامهما تكشف عن خلل واضح في الميزان التجاري السوري لعام 2025.
فالشحن البري الذي أعاد ربط سوريا بجوارها اقتصادياً، يظهر تفاوتاً كبيراً بين نسب الشاحنات الواردة والصادرة.
حيث بلغت نسبة الشاحنات الصادرة من سوريا 10%، مقابل ما نسبته 90% لعدد الشاحنات الواردة إلى سوريا خلال عام 2025.

في حين سجّل الشحن الجوي ارتفاعاً متزايداً على الصادرات بلغت نسبته 76%، مقابل 24% من نسبة الواردات لدى مطار دمشق الدولي.
بالمقابل لم يسجل مطار حلب طيلة العام الفائت أية نسبة للصادرات، وبالتأكيد دون تفاصيل عن طبيعة وارداته ونوعيتها، شأنه شأن مطار دمشق وغيرهما من وسائط نقل البضائع التجارية.
الأرقام تظهر بوضوح أن الاعتماد على الواردات كمؤشر اقتصادي يشي بوجود عجز في الميزان التجاري السوري، مع تراجع الإنتاج المحلي وصادراته.

يرى الخبير “ علي محمد” أن العجز بالميزان التجاري موجود منذ عهد النظام السابق رغم سياسة ما يسمى سابقا ترشيد الاستيراد، يتابع لسناك سوري:
«بالعودة إلى عام 2024، نجد أن رقم الواردات كان 4 مليار يورو مقابل 800 مليون إلى مليار دولار قيمة الصادرات، ومع سقوط النظام وانتهاج سياسة السوق الحر، كان الاندفاع كبيراً نحو الاستيراد».
البضائع والسلع المستوردة غطت الأسواق السورية، ووفق التصريحات الحكومية شهدت الأشهر الثلاثة الأولى من عام 2025 استيراد سيارات بقيمة 5 مليار دولار.

موازنة 2026 ستكون توسعية عن العام الماضي في شق الإنفاق الاستثماري على حساب الجاري، انطلاقاً من التصريحات الرسمية التي تتحدث عن بحث عن مصادر إيرادات حقيقية باعتبار مقبلين على مرحلة ترميم وإعادة إعمار اقتصادي الخبير الاقتصادي علي محمد
غياب الشفافية المالية والتقارير لمراجعة
يتابع محمد: «هذا مبلغ ضخم، أما باقي المستوردات فلا أرقام عنها، وإذا كنا تتكلم عن مليار دولار صادرات لعام 2024 فلا أعتقد أن عام 2025 شهد مبلغاً أكبر من ذلك، انطلاقاً من الواقع الاقتصادي السوري والواقع الإنتاجي والصناعي الذي لم يتطور بهذا الشكل».
تشير تقارير إلى أن معدل التضخم في سوريا عام 2025 وصل إلى 130%، بناتج محلي إجمالي بقيمة 24.1 مليار دولار ومعدل نمو حقيقي بنسبة 1%.
إلا أن الخبير “ محمد” يعتبر أنّ المعدل المذكور فيه مغالاة، كون النسبة 130% تعود لنهاية عام 2024. ويضيف «لكن بكل تأكيد انخفض معدل التضخم مع تحسن سعر الصرف عقب سقوط النظام، باعتبار معدل التضخم له مجموعة من المؤثرات كتضخم التكلفة ، أسعار المستوردات التي يلعب سعر الصرف دورا فيها».

وأشار إلى أن بعض الإحصائيات تقول أن معدل التضخم أصبح 35%، حاكم المصرف المركزي يتحدث عن 15%، وهي نسبة فيها مغالاة كذلك وفق حديثه وأن البلاد لم تصل لهذه النسبة رغم التحسن والانفتاح الاقتصادي إذ تشير التقديرات إلى أن خسائر سوريا وصلت لنحو 216 مليار دولار خلال الحرب في مختلف المحافظات والقطاعات.
ما أهمية الموازنة؟
يعتبر الخبير الاقتصادي والمصرفي “إبراهيم نافع قوشجي” الموازنة العامة أداة استراتيجية، تهدف إلى إعادة بناء الدولة على أسس قوية.
ومن خلال تحديد حجمها ومعدل نموها وضبط مصادر تمويلها، تستطيع الدولة مواجهة التحديات الكبرى في البنية التحتية والخدمات العامة، ورفع مستوى معيشة موظفيها ومواطنيها.
فهي ليست مجرد جداول رقمية أو حسابات مالية، وإنما خطة وطنية شاملة تعكس أولويات المجتمع وتحدد مسار السياسات الاقتصادية والاجتماعية، وفق قوله.
وفي ظل التحديات الراهنة والواقع الاقتصادي والاجتماعي المعقد، تبرز أهمية إعداد موازنة دقيقة وشفافة للأعوام 2026–2027 كضرورة ملحة، حيث شدّد “قوشجي” على أهمية الموازنة لمعالجة أزمات البنية التحتية والخدمات العامة، وتحقيق التوازن بين الإنفاق الاستثماري والاستهلاكي والإيرادات.
وأضاف “قوشجي” لـ سناك سوري «الموازنة هي الأداة الأساسية لتوجيه الموارد نحو إعادة البناء، كما أن الخدمات التعليمية والصحية وضعف المدارس والمستشفيات يتطلب زيادة الإنفاق الاستثماري لتأهيلها وضمان وصولها لجميع المواطنين».
وفي ظل غياب مجلس الشعب المتعارف على دوره في إقرار الموازنة العامة دستوريا، يؤكد “قوشجي” على أن الشفافية والمشاركة المجتمعية خطوة أساسية لبناء الثقة وإشراك مختلف القطاعات في صياغة السياسات، مؤكداً أن الشفافية ضرورة، والإعلان المبكر والواضح عن الخطة المالية والموازنة يُعد البوابة الأولى لبناء الثقة بين الدولة والمجتمع.
وأوضح الخبير أن الشفافية تتيح مشاركة القطاعات الاجتماعية والاقتصادية في صياغة السياسات، وتعزز الرقابة الشعبية على الإنفاق العام، وإن إشراك المجتمع المدني والقطاع الخاص في مناقشة الموازنة يسهم في تحقيق أهدافها بكفاءة أكبر.
كما أن الاستقرار المالي يتطلب ضبط الإنفاق الجاري والاستهلاكي، بما يشمل رواتب الموظفين الحكوميين، لضمان قدرتهم على مواجهة متطلبات الحياة وفقا لقوله لسناك.
ويرى قوشجي، أن تحفيز النمو الاقتصادي يكون عبر تحديد معدل نمو الإنفاق بما يتناسب مع النمو المتوقع، بحيث يمكن للموازنة أن تحرك عجلة الإنتاج وتشجع الاستثمار المحلي والأجنبي.

ما المطلوب لموازنة 2026
منذ نيسان 2025 بدأت التحضيرات في وزارة المالية لإعداد موازنة عام 2026،مع وعود بأنها ستشهد تحولاً نوعياً في الشكل والمضمون.
يبين قوشجي أن تحديد حجم الموازنة يعتمد على تقديرات دقيقة للناتج المحلي الإجمالي، ومستوى الإيرادات المتوقعة، والاحتياجات التنموية. ولفت إلى ضرورة أن يتناسب معدل نمو الإنفاق مع معدل النمو الاقتصادي، لتجنب التضخم أو العجز المالي غير القابل للسيطرة، فضلاً عن تحديد مصادر التمويل والتي تعتمد على الإيرادات الضريبية وتحسين كفاءة التحصيل وتوسيع القاعدة الضريبية مع مراعاة العدالة الاجتماعية وتقليل الأثر الانكماشي ضرورة راهنة،
ويتابع: «يلعب تطوير الإيرادات غير الضريبية مثل عوائد المؤسسات العامة والموارد الطبيعية، وإقامة شراكات مع القطاع الخاص عبر مشاريع الشراكة بين القطاعين العام والخاص (PPP) لتخفيف العبء عن الموازنة وتعزيز الاستثمار».
الشفافية تتيح مشاركة القطاعات الاجتماعية والاقتصادية في صياغة السياسات، وتعزز الرقابة الشعبية على الإنفاق العام، وإن إشراك المجتمع المدني والقطاع الخاص في مناقشة الموازنة يسهم في تحقيق أهدافها بكفاءة أكبر. الخبير المصرفي إبراهيم قوشجي
بينما يرى الدكتور “علي محمد” أن موازنة 2026 ستكون توسعية عن العام الماضي في شق الإنفاق الاستثماري على حساب الجاري، انطلاقاً من التصريحات الرسمية التي تتحدث عن بحث عن مصادر إيرادات حقيقية باعتبار مقبلين على مرحلة ترميم وإعادة إعمار اقتصادي.
ويرى محمد أن إعداد الموازنة سيتم وفق معايير وأسس تمت مناقشتها مع بعثات صندوق النقد الدولي وبعثات البنك الدولي.
ويضيف: «لذلك أعتقد أن الفترة القادمة سيكون إعلان الموازنة وفق الأسس التي بنيت عليها مع الفترة الزمنية التي ستغطيها، هل اثني عشرية أم سنعود الى الموازنة السنوية هذا رهن الأيام القادمة لا يمكن التنبؤ به ولكن ستكون في زيادة عن موازنة 2025 بالنظر إلى العائق الأكبر الذي رفع عن سوريا وهي العقوبات».
وعن دور عشرات مذكرات التفاهم التي جرى توقعيها العام الماضي، يقول «أعتقد أنها جيدة غطت مرافق يحتاجها الاقتصاد السوري الى حد كبير، لكن التحدي يكمن في تحويلها الى اتفاقيات وهو الأهم، وبعد إزالة عقوبات قيصر، يفترض أن تشهد الفترة القادمة ترجمة جزء من المذكرات إلى اتفاقيات وليست جميعها، وذلك لأنه عالميا ليست جميع المذكرات تتحول إلى اتفاقيات».
ويعتبر “محمد” أن تقييم الأداء الحكومي الاقتصادي يجب أن يبدأ من هذا العام، رغم القرارات التي سعت لها الحكومة نحو تغيير تشريعي وقانوني كقوانين الاستثمار، بعض القرارات المتعلقة بعمل السلطة النقدية كتمويل المستوردات ، وضع تصور منهجية لهوية السوق الحر، معرباً عن أمله في التركيز على استيراد مستلزمات الإنتاج وأولويات الاقتصاد الوطني، لأن الاستثمار وفق حديثه هو أساس نهضة الاقتصاد.
يذكر أن وزارة المالية لم تعلن عن تجهيز الموازنة العامة لعام 2026 تمهيداً لنقلها إلى مجلس الشعب المنتظر وإقرارها هناك، كوسيلة أساسية في تحديد السياسات الاقتصادية العامة للدولة وأوجه الإنفاق الحكومي وموارد الجباية.








