لن يلتفتوا لمطالبك إن لم تتلبّط وتصرخ أمامهم – شاهر جوهر

عليك أن تنقّ في مطالبك بإزعاج، فالذين لا ينقّون يموتون

سناك سوري – شاهر جوهر

لم يكتفِ بالإتصال بي، إنما جاء لمنزلي كي يُفصح عن نيته جمع الأصدقاء مرة أخرى في رحلة، جلس على الكرسي وقد شبك يداه أمامه مثل يدا “مايك فغالي” الخشبيتان في ليلة رأس السنة، ثم أسرع في حديثه قاطعاً الطريق أمام أي اعتراض قد أتلفّظ به:

– سأرتب كل شيء، سنأخذ سيارة مكشوفة، أو نذهب على الدراجات النارية فلا داعي للقلق.

وكشخص يعاني من متلازمة سوبايت Sopite syndrome (داء الحركة أو دوار السفر)، أُدرِكُ تماماً أن كلماته تلك لم تأتِ عبثاً، ففي المشوار الأخير كانت السيارة التي أقلّتنا مغلقة، وكان المكيّف فيها معطّلاً، وكانت الرحلة مدمِّرة لنفسيتي لهذا جاء جوابه ذاك جاهزاً. إذ حملتُ حينها الأغراض ولعبتُ ورق الشدّة بخسارة، وتجادلنا في تاريخية المكان الذي نزلنا به وعن معركة اليرموك أشهر المعارك الاسلامية التي قادها القائد الاسلامي “خالد بن الوليد” في تلك المنطقة سنة 636 ميلادية، بعدها طلبوا مني أن أحدثهم عن أول رحلة في حياتي، ففي كل مشوار يطلبوا مني أن أقص تلك الحكاية رغم أن كل شيء بها كان مؤلماً ولا يدعو للضحك.

لهذا سأحدثكم عنها للمرة الأخيرة :

حدث ذلك في النصف الثاني من التسعينيات، كنت حينها في مرحلتي الابتدائية، و في ذاك اليوم و بما أني أقصر طالب في الصف وقفت في مقدمة الطابور في باحة المدرسة، وحين تم الانتهاء من ترديد النشيد الوطني ذرع أمين السر الباحة أمامنا جيئةً وذهاباً واضعاً يداه في جيوبه وقد غصّت أذناه وأنفه من الشعر النافر، قال بصوت جهوري:

– غداً سنذهب رحلة، سنرى مدينة بصرى الأثرية وشلالات تل شهاب الرائعة وسندخل حديقة الحيوان وسنرى هناك الغزال، من يرغب في رؤية الغزال يا طلاب؟

صاح الجميع:

– نحن

– إذاً فليجلب كل واحد منكم معه غداً 75 ليرة.

الغزال، كم أحلم برؤيته، طوال الطريق للمنزل وأنا أتخيّل شكله، عيناه، قرنيه، أذناه، يا إلهي كم سيكون جميلاً. أسرعت راكضاً للمنزل، رميت حقيبتي على الأرض ورحت أبحث عن أمي بفرحة عارمة، كانت أختي في المطبخ، قلت لها وفي نيتي الإغاظة:

– غداً سأذهب رحلة .. ننناه .. وسأرى الغزال يا مسكينة، ننناه، لكني أريد 75 ليرة.

لكنها لا تصغي لما أقول، فسكوتها ذاك يغيظني، ذهبت إلى أخي الأكبر، يشاهد هو الآخر بانسجام مباراة لكرة القدم:

– غداً سأرى الغزال، سوف تذهب المدرسة رحلة، فقط بـ 75 ليرة، يا بلاش..

كان حذائه أسرع في إجابتي. في تلك اللحظات تدخل نبع الحنان، متعبة من مشوار في الحي:

– أمي أريد 75 ليرة، أريد أن أرى الغزال، وسنذهب رحلة غداً.

اقرأ أيضاً: هذا الشتاء قاسٍ جداً جداً – شاهر جوهر

يا إلهي هل أختفيت حتى لا يسمعني أحد، مرّت أمامي نحو المطبخ دون أن تلقي بالاً لحديثي، عندها صرخت ملء فمي وسط المنزل (أريد .. أن .. أرى .. الغزال).

اقتربت أمي نحوي، فمذ عرفتها ولديها فلسفة خاصة في هذه الحياة، طلبت مني بحنو أن أذهب للزريبة وأن أراقب بقراتنا حتى أشبع من رؤيتهن، فهنّ يشبهن الغزال لكنه أنحف قليلاً وله قرون ولونه بني، ثم ختمت حديثها بالقول (ليش البعزقة).

هنا عدت لأسلوبي القديم، دائماً يجبروني على فعل ذلك، انبطحت على باب المنزل ورحت أتلبّط الأرض مردداً طوال النهار:

– أريد أن أرى الغزال … الغزال أريد أن أراه … أرى الغزال أريد ..

وهكذا حتى حلّ المساء، خلالها كانت الحياة تجري طبيعية في المكان، أخي يعبر الباب من فوقي مكملاً طريقه بلا أي اعتبار، أختي تجرّني عن الباب لتمسح المكان ثم تعيدني لمكاني وتكمل هي تنظيفها للمنزل، أمي تأكل حبات فول أخضر وترمي بقشورها في السلة الواقعة فوق رأسي .. ومع ذلك واصلت نضالي، فالقضية تستحق مني التضحية.

عند المساء تم منحي الـ 75 ليرة بإكراه. لهذا خذ هذه النصيحة عزيزي القارئ، غالباً المعنيون بأمرك لا يلتفتون لمطالبك إن لم تتلبّط وتصرخ أمامهم نائحاً، والأهم عليك أن تنقّ في مطالبك بإزعاج، فالذين لا ينقّون يموتون، فاعلم أن البعض منهم في المطبخ يطبخ شيء ما وغير مهتم لمطالبك، و هناك آخرون لاهون في رهان رياضي ما ولا تعنيهم روحك الرياضية، لكن في كل إدارة هناك شخص جيد و دبلوماسي سيحاول في البدء أن يكون مثلهم و يوجه مطالبك لمكان آخر، لكنه سيلبي مطالبك في النهاية لأنه يرغب في أن يتوقف صراخك كي يتمكن من النوم. فإن التزم أحدهم الصمت فاعلم أنه مغتاظ منك، وإن ضربك بحذائه إحمله بلطف وأعده إليه بلطف وعاود الكرّة بأدب. من هنا يمكن الجزم أن ذلك هو غاية الإعلام الوطني اليوم.

اقرأ أيضاً: من لا يرضى يعيش أفضل – شاهر جوهر

يوم الرحلة

في صباح اليوم التالي ذهبت إلى المدرسة باكراً، كنت أول الواصلين وأول من يسجل إسمه في الرحلة. كانت المدرسة قد تعاقدت في تلك الرحلة مع ميكروباص “أبو عنتر” الأخضر، وهو ميكرو القرية الوحيد، كان قديماً، يدلف سقفه وقت الشتاء، ويعمي عيناك الغبار المندّفع من نوافذه المحطّمة في الصيف. ومن مجموع نوافذه قد تجد نافذتين أو ثلاثة فقط صالحتان للاستعمال، كما أنه لا يملك باباً، في حين خلع صاحبه عن قصد باب السائق ليتمكن من الولوج إليه، فما لا تعرفه أن أبو عنتر يحتاج لشخصين ليقوموا بدفعه لتتمكن مؤخرته من الوصول خلف المقود، وذلك لضخامة جثته. موقع سناك سوري.

أسرعتُ لأحجز مكاني في المقعد الأخير لأجلس قرب النافذة، لكنني لم أصل، فجميع الطلاب حجزوا الكراسي القريبة من النوافذ، ولم يبق سوى الكرسي الواقع خلف السائق، وهو كرسي ابتدعه أبو عنتر في هذا المكان ليكسب راكباً إضافياً، فهو مكان مخصص كغطاء لمحرك هذه الخردة التي نركبها، لهذا أجدني طوال الطريق وأنا أنطّ فوقه كالنابض.

وما إن مضت نصف ساعة، حتى لازمتني الدوخة، التعرُّق فالغثيان وعدم الراحة، و شيئاً فشيئاً أخذت عصارة حلقي تأخذ طريقها نحو فمي، أشرتُ بتكلّف وبعينان محمرّتان للسائق للتوقف لرغبتي في التقيؤ، لكنه لم يعي ما أردته، ما هي إلا ثوانٍ حتى كانت الفاجعة، تقيأت على قميص السائق، وعلى بنطال أمين السر، وعلى مدرس الصف السادس وعلى تنورة الآنسة الجميلة “نعمة”، وعلى كندرة المدرسة الأنيقة “رجاء”، وعلى الوردة الحمراء التي كان يحملها المدرس الرومنسي “شيحان”، وعلى الكراسي وعلى النوافذ، وعلى الطالبات و الطلاب فرداً فرداً، لكنني لم أتقيأ على نفسي فأنا أسمع نصائح أمي بعدم إهمال ملابسي.

أعاني منذ الصغر وحتى الآن من دوار الحركة Motion sickness، لهذا ما إن انتهيت من الجميع حتى أُصبت بالإرهاق والتعب كأحد أعراض متلازمة سوبايت Sopite syndrome، فسقطت بلا وعي في حضن المدرس الرومنسي مغماً عليّ.

اقرأ أيضاً: سيدي صاحب القرار – شاهر جوهر

ما هي دقائق، أو هذا ما خيّل لي، حتى اقترب مني المدرس الرومنسي، نهض غرّته خلف أذنه، ثم قال لي بهدوئه المعتاد:

– حبيبي، لقد وصلنا، هيا انزل.

كنت نائماً على الكرسي الأخير، وكان الميكرو خالياً سوى مني ومن السائق وهذا المدرّس اللطيف، وقبل أن أترجّل منه صدمت عيناي من كل هذا الخراب الذي صنعته معدتي بالمكان. قلت في نفسي (عادي، يحصل أن يتقيء المرء في الرحلة)، لهذا ترجلت من باب الحافلة لأرى الغزال، لكن سرعان ما تركني السائق والمدرس وهربا بالميكرو، فجأة جالت عيناي المكان، وإذ بي أمام المنزل.

طوال أسبوع كامل وأنا أحدّث أمي عن آثار مدينة بصرى الرائعة وكم هي جميلة شلالات تل شهاب، وطوال شهر وأنا أغيظ أختي في حديثي عن شكل الغزال الذي كان مدهشاً، لكن إلى اليوم لا تعلم أختي أني لم أرَ الغزال إلا في “ناشيونال جيوغرافيك”.

اقرأ أيضاً: إلى كل من لديه صديق كـ “هاري بوتر” أقصد “هاري نعمتي”

المقالات المنشورة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الموقع