تكريم فيروز وذبح الفلاسفة – حسان يونس

خلال زيارة الرئيس الفرنسي للسيدة فيروز- انترنت

الغرب يكرم العقول والعظماء القادمين من الشرق ويجلهم طالما أنهم مقيمون في أحضانه

سناك سوري- حسان يونس

زار الرئيس الفرنسي ايمانويل ماكرون منزل السيدة فيروز في العاصمة بيروت وقلدها أرفع وسام في فرنسا: “جوقة الشرف” من رتبة فارس.

وظهرت خلف فيروز، خلال استقبالها ماكرون، لوحة جميلة، رسمتها الفنانة، جوستينا سيسي توماسيو سرسق عام 1980، وهي رسامة كرواتية تزوّجت حبيب سرسق في القاهرة وانتقلت معه عام 1965 إلى بيروت.

وكان ماكرون، قد علّق في شهر آذار الفائت وساما على صدر الكاتب والروائي اللبناني الفرنسي أمين معلوف، رفعه إلى رتبة ضابط كبير في احتفال جرى في قصر الإليزيه.

علماً أنه التكريم الثاني لمعلوف، الذي منحته الأكاديمية الفرنسية في 2012 شرف العضوية فيها.

وفي التسعينات، قام الرئيس الأمريكي جورج بوش الأب بتدشين حديقة في واشنطن، تحمل اسم جبران خليل جبران، تكريما له على إبداعاته، وتم كتابة الكثير من عباراته الشهيرة في مختلف أركان الحديقة.

اقرأ ايضاً:بيروت الأُضحية_ حسان يونس

فضلا عن ذلك، هناك نصبان تذكاريان لجبران، أحدهما في بوسطن، والآخر في واشنطن، ويضم عدد من أشهر المتاحف الأمريكية العديد من لوحات جبران.

وفي ذات السياق فان قصة الفيلسوف زينون الفينيقي الرواقي (334-263 ق.م) مع أثينا معروفة، كان الفيلسوف الشهير معلماً خلال حياته للملك المقدوني “أنتيجون”، الذي دعاه للإقامة عنده ليكون تلميذاً له، وكان كذلك معلماً -بعد وفاته- للإمبراطور الروماني، السوري الأصل (ابن مدينة منبج)، “مارك أوريل”، وعند وفاته دفن  في “أثينا” بجنازة مهيبة، حضرها مجلس الشيوخ والإمبراطور وكثيرون، ونصب له عمودان تذكاريان نقشت عليهما عبارة تقول: “أثينا تقدس الأفكار، حتى لو لم يكن صانعوها من أهلها”، كما كتب على قبره، “إن كانت فينيقيا هي موطنك، فإن هذا لا يحط من قدرك، ألم يأت “قدموس” من هناك” ، رغم كل المجد الذي أحيط به زينون الرواقي، إلا انه أصرّ على الاحتفاظ بهويته الفينيقية، ورفض أن يعامل كمواطن أثيني، وفقا للباحث في التاريخ السوري فايز مقدسي.

لكن، كي لا نغرق في الانبهار بعلاقة الغرب مع العظماء القادمين من الشرق، وقدرته الفائقة على امتصاص الطاقات والعقول، ووضعها في الموضع المناسب، وتوظيفها بما يخدم مسيرته الحضارية وسطوته الإمبراطورية، كي لا نغرق في ذلك، لا باس أن نقفز عميقا في أغوار التاريخ، ونعرج على مذبحة الفلاسفة، التي ارتكبها الإمبراطور الروماني أوراليان بحق فلاسفة تدمر.

كانت محاكمة الفلاسفة وزنوبيا، التي ترأسها الإمبراطور الروماني 273 م، والتي جرت في حمص، لحظة اشتباك بين مملكة تعتنق الأدب والفكر والتجارة والعمارة والمسرح، وتطمح إلى إنفاذ مشروع المدينة الفاضلة، بإشراف فلاسفتها ومعلمهم أفلوطين، وبين إمبراطورية توسعية تعتنق عقيدة البطش والدمار والإرهاب.

اقرأ ايضاً:شعوب البحر والعثمانيين الجدد- حسان يونس

وفي نهاية المحاكمة، التي ترأسها الإمبراطور أورليانوس، جرى الحكم بالإعدام على كل من الفلاسفة كاسيوس انجيلوس الحمصي، وجنتليانوس أميليسوس الأثروي، وبوسانياس الدمشقي، وكليكراتس الصوري، ونيكوماخوس الكراسي، وفيليب السيثوبوليتي بعقاب اللصوص والسرّاق، والعفو عن زنوبيا وابنها القاصر وهب اللات، وعن كاهن تدمر الأكبر أنيابالوس جيرامس.

وبالعودة إلى الزمن الحاضر شهدت منطقتنا مذبحة فلاسفة أخرى، ففي العراق ومنذ عام 2003م، قضى حوالي 250 أستاذا جامعيا عن طريق الاغتيال والتصفيات الجسدية خلال الستة عشر شهرا الأولى من دخول الجيش الأمريكي الأراضي العراقية، ومن ثم تصاعد العدد ليتراوح بين (600-1000). وفقا للباحثة والأكاديمية العراقية هدى النعيمي التي ظهرت على شاشة “روسيا اليوم” في 7 نيسان 2016م، متهمة  اسرائيل والولايات المتحدة بذلك.

وفي سورية عانى العلماء السوريون مع بداية عام 2011م، من ظاهرة الاغتيالات، فتم اغتيال خمسة مهندسين في مجال الطاقة النووية، في هجوم استهدف حافلة كانت تقلهم شمال دمشق في تشرين الثاني 2014، كما اغتيل عالم الصواريخ الدكتور نبيل زغيب في تموز 2012م، برفقة زوجته وابنه، وفي آب 2018م، جرى اغتيال مدير مركز البحوث العلمية في منطقة مصياف، المختص كذلك في مجال تطوير الصواريخ، الدكتور عزيز اسبر في مصياف.

قد يقول قائل كيف يمكن تفهم المفارقة التي تدفع الغرب الى الجمع بين تكريم فيروز ومعلوف وجبران وبين تصفية لفلاسفة المدينة التدمرية الفاضلة والعلماء السوريين والعراقيين.
والإجابة ببساطة أن الغرب يكرم العقول والعظماء القادمين من الشرق ويجلهم طالما أنهم مقيمون في أحضانه وهو ما جرى طرحه على العلماء العراقيين قبل تصفيتهم من خلال قانون صادق عليه مجلس الشيوخ الأميركي في تشرين الثاني 2002 م، يقضى بـ”منح العلماء العراقيين الذين يوافقون على إفشاء معلومات مهمة عن برامج بلادهم التسليحية بطاقة الهجرة الأميركية الخضراء، ووعدهم بآفاق بديلة أكثر إشراقاً ثم كان القرار الأممي 1441 الذي أصرت واشنطن على تضمينه بندًا يقضي باستجواب العلماء العراقيين.

اقرأ ايضاً:جبران ومريود.. وتجويع السوريين _حسان يونس

المقالات المنشورة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الموقع