بعد حواري مع متشرد أنا لا أشعر بالارتياح مثله – شاهر جوهر

صورة تعبيرية - انترنت

قط مشرد وفأر مُجهد.. هكذا بدينا أنا وهو.. تابع مسيره كقط وتابعت كدحي كفأر

سناك سوري – شاهر جوهر

لنقل أنه يقضي حياة القط بوتش، ليس أكثر من قط مشرد ومتمرد كسلالة Russian Blue، يبحث عن فأر يمارس عليه حكمته الصباحية، أردوازي مزرق كالغرغرينة ويدخن على الدوام، يرتدي سراويل مجعدة وسخة تنبعث منها رائحة روث بقرة مريضة، ولا أعرف في أي زريبة من زرائب الجيران بات ليلته الفائتة، عصب رأسه بمنديل حين قرر الوقوف فوق رأسي وأنا أزرع أرضي.

فك كأسه المحبب من مشبك بنطلونه، دس إصبعه في مقبضه المصنوع من الستانلس ستيل. آه، ليته تمسّك بزوجته كما يتمسّك بذاك الكأس لما كانت قد ضاعت منه في المحاكم بحثاً عن ثمن لتلك السنين الزائفة التي انقضت بجواره.

صببتُ له كأس شاي ساخن ثم أكملت عملي، تدحرج بارتياح على تلّة ترابية بجانبي وهو يرتشف كأسه ويمجُّ سيجارته بنهم. راح يراقب بوجهه المزرق والهادئ جبيني المتصببة عرقاً. قلب ظهره إلى الأرض، ربط عقب رأسه بيديه وحوّل عيناه للسماء، بصق نخمة علقت في صدره، ثم تدحرجت عيناه خلسة نحوي كأنه يعرف كيف لقرفه أن يدفعني للحديث. بالفعل أعاد لي فعله تدوير السؤال المعتاد الذي يطرحه كل من جلس معه ممن يعرفونه من سكان هذه البلدة، (لما لا تصبح رجلاً منتجاً بدل طوافك اليومي بحثاً عن صدقة في جيوب كل هؤلاء الجوعى؟).

اقرأ أيضاً: نميمة على طريق المسجد … شاهر جوهر

بالنسبة لهذا المشرد فالعقل مكيال ثلثه فراغ وثلثاه تغابي لذا هو في العادة يصمت أو يتغابى مبدلاً الحديث باختلاق حديث آخر، لكنه هذه المرة استمر في الارتياح، ثم على غفلة تحوّلت الابتسامة المنطبعة على وجهه الحليق ضحكة كبيرة ومتواترة.

حلّ فراغ لطيف بيننا، ثم عاد وانفجر ضاحكاً مرة أخرى، انقلب مجدداً على ظهره، تحسست يداه خاصرتيه لفرط ضحكه، فانتقلت لي عدواه، وحين هدأ كلانا رد متعباً وقد سالت عينيه بالدمع (وكم تجني نهاية اليوم من دورة حياتك المملة هذه؟ لا تفكر في الجواب، سأخبرك، ستقول بتكبّر “إنه إنتاج سنوي” و أنت تعرف في داخلك أن ميزان فائدته خسارة أكثر من كونه ربحاً).

اعتدل على قائمتيه، حمل إبريق الشاي، ملأ كأسه مرة أخرى، ألقى إليّ نظرة ماكرة ثم عاود الحديث كمن يختتم حكاية قديمة (سأسمع نصيحتك و سأكدح مثلك كالبغل وأنا أعرف أنه سيكون بلا أي فائدة ترتجى لكن حين تجيب على أسئلتي، هل سددت ديونك؟ هل تشعر بارتياح حيال ما يجري بداخلك؟ هل حققت ما كنت تصبو إليه؟. ممم، لا تقدم أي جواب، لا أريد رداً، لأنك لو قمت بسؤالي عن كل ذلك لقلت عن نفسي “نعم، فعلت كل ذلك”، هل تقوى على الإجابة أنت؟ لن تقدر).

حاولت لملمة كرامتي المهدورة، لويت عنقي بحركة ساخرة، ولربما خائبة ثم قلت مجرباً الهروب (الله أعلم)، رد بثقة (والعقل يعلم أن معيار الراحة والنجاح هو الإنتاج الملموس، النتيجة لا الكدح والجهد، لا التعب لأجل التعب)، قطع حديثه، خطا مبتعداً يوزع ابتساماته على العابرين، وبقي الفأر المُجهد يملأ التراب بلا أي فائدة.

اقرأ أيضاً: البربوط.. الكل يظلمه ويرميه خارج المنزل- شاهر جوهر

 

المقالات المنشورة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الموقع