إبداع المساحات – مازن بلال

سوريا- ملعب كرة قدم - عدسة هيثم الخطيب

دوري كرة قدم على أطراف داريا

سناك سوري – مازن بلال

بدا المشهد على الحدود الإدارية لـ”داريا” استرجاعاً لذاكرة منسية، فالمسألة ليست بطبيعة الحرب التي كانت دائرة، لأن احتمال الحروب في التاريخ أكبر بكثير من ممكنات السلام، ولكن المساحة التي أوجدتها المجتمعات المحلية في هذه المنطقة التي كانت عنوانا أخبارياً بامتياز؛ توضّح أن الشكل الأكثر مواءمة مع الحياة يمكن أن يظهر في أي لحظة، فالملعب الرياضي (كرة القدم) قدّم بداية لما يمكن أن تُبدعه الحياة وتقدمه من جديد.
ضمن هذه المساحة لم يكن التنافس سوى جزء من العودة إلى لملمة الجراح، فالرياضة تنبض لتغيير شكل العلاقات من صراعٍ فيزيائي إلى محاولة تثبيت قيم خاصة لا يمكن أن تظهر إلا بالتنافس الرياضي، والحدث الذي ضم فرقا متعددة خلال الأسبوع الماضي هو بحد ذاته وقفة لملاحظة الملامح التي تتشكل بجهود محلية، وتسعى لرسم نهايات خاصة لبعض أشكال الأزمة، وتبني آليات “مصالحة مستدامة” على جغرافية أنهكتها الأزمة.

اقرأ أيضاً: الجمال التنموي!!! – مازن بلال

لم يكن الحدث سوى بطولة كرة قدم (أحياء شعبية) 

محاولة قراءة هذا الحدث تضع كل التجارب للمجتمعات المحلية ضمن نقطة محددة، فالتنمية يمكن أن نراها خارج الإطار الأولى المرسوم لها، لأن التنافس الرياضي يصعب قياسه لكنه أكثر تعبيراً عن طاقة هذه المجتمعات ضمن الظروف القاسية، فهي استعادت قدرتها على بناء علاقة بشكل مختلف ولا تنظر للتنافس على أنه شرف الصراع على الانتصار الرياضي، بل رغبة في إثبات قدرة الحياة على بناء مساحات جديدة، ومعرفة “الآخر” من خلال الاحتكاك المباشر به.
عمليا فإن هذه المجتمعات لا تنظر إلى تنمية قدراتها وتنظيمها بشكل نمطي، فهي تريد الاكتفاء في هذه اللحظة بالاندماج داخل التنوع الذي تفرضه الحياة، وتحاول تصنيف همومها لتترك هامشا خاصا تثبت من خلاله أنها قادرة على الإنتاج بشكل مختلف عما هو مطلوب منها، فالتنمية التي تعيد بناء عملية الإنتاج بمختلف أشكاله ربما تحتاج في البداية إلى اقناع المجتمعات المحلية بأن الحياة تستحق المغامرة، والتنافس الرياضي هو “بناء قدرات” للإقبال على الحياة عوضا عن الصراعات المتراكمة على هذه الأرض.
التنافس الرياضي زاوية رؤيا يمكن أن تحكم آليات أي عملية تنمية لـ”استرجاع الذات” المقبلة على الحياة، فبدون هذا الإقبال تبقى كل القضايا عالقة، وتستمر الأجيال في التمسك بحلم الهجرة إلى مجتمعات تعشق الحياة ولذلك فهي لا تحتاج لدوافع تنمية لأنها من صلب بنيتها.

اقرأ أيضاً: الإدارة المحلية في سوريا (1) .. مساحات منتجة

المقالات المنشورة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الموقع