أمضيت عمري وأنا انتظر باص النقل الداخلي… جاء ولم يعد

باص النقل الداخلي - انترنت

يبدو أن الباص لايعمل إذا كان ركابه جالسون فقط.. مخصص للحشر

سناك سوري – يوسف شرقاوي

كأيّ طالبٍ جامعيّ في “دمشق”، أو موظّف، أو عامل، إن كان لا بدّ أن أحسب كم مضى من عمري في انتظار وسيلةِ نقل، يظهر رقمٌ غريب، ضخم، وتبدو معه ضآلة الجسد المحشور بين عشراتٍ من الناس، على أقدامهم طبعاً، في باصٍ ما يتنقّل بين منطقةٍ وأخرى.

حين كنتُ طالباً ثانوياً مثلاً، كان عليّ انتظار ما يعادل ربع الدوام من أجل ميكرو باص يوصلني، ساعة صباحاً، وساعة بعد الظهر، في الصيف أو الشتاء، في البرد أو الحر، تحت المطر أو الثلج، لا فرق، ظننتُ آنذاك أنّ الانتظار سيقلّ كلّما كبرنا، أو أنه سيتطوّر على الأقل ليدخل الجامعة معي، سيصير أكاديمياً لبِقاً، لكن للأسف، ترك انتظار الباص تعليمه منذ كان في المرحلة الابتدائية، وتركنا نكبر وحدنا.

لم يتغيّر الأمر في الجامعة، كنتُ أنتظر ساعة صباحاً، وساعة أو اثنتين في طريق الإياب، أتذكر خلالها مشهداً في فيلمٍ سينمائي ما، حين يوصد بطله باب بيته، وينزل درجاتٍ قليلة إلى الموقف العام فيرى حافلةً كبيرة، ليس فيها أحدٌ واقفاً، وتُشير لافتةٌ معلقة على بابها أنّ الأطفال، ثم النساء، ثم العجزة، ثم الشباب، هذا هو الترتيب، كنتُ أشعر حينها باستياءٍ رهيب، وربما لكثرة ما انتظرت، كانت تنتابني رغبة عارمة بالبكاء.

اقرأ ايضاً:مالا تعرفه عن أزمة النقل في اللاذقية!

وقفت تمام التاسعة صباحاً حيث تتجمّع وسائل النقل في منطقة “ضاحية قدسيا”، وجاء من بعيد باص “نقل داخلي” أخضر، مزيون، ناصع اللون، يمشي الهوينا، لم يكن فيه سوى ثلاثة ركّاب، لم أركض، بل لم أمشِ خطوةً واحدة، توقف الباص حيث أقف، حيّاني السائق بابتسامة لطيفة وقال :«طريق القصر أمويين آداب برامكة سانا نهر عيشة هندسة»، سألته: “هدول كلهن؟” فأومأ برأسه أن نعم، وجدني السائق مدهوشاً، محدقاً في وجهه، قال: “كرمال طلاب الجامعات”، ثمّ حدّثني حول الخطوط الأربعة الجديدة في “دمشق”، وطلب أن أحكي للجميع عنهم لكي تنجح الفكرة، سألت نفسي: ماذا تغيّر يا الله؟ هل سافرتُ أنا أم جاءت “برلين” إلى هنا؟.

كطالبٍ جامعي، في باصٍ فارغ إلا من ثلاثة ركّاب أنا رابعهم، حيث يمكنك أن تختار أيَّ كرسيٍّ تريده، بقيتُ واقفاً، لستُ معتاداً في حياتي كلّها على إيجاد مكانٍ هنا، بقيتُ قرب السائق، حتى وصل إلى الآداب، ودّعني بابتسامة جديدة، ومضى في طريقه إلى “سانا”.

بخيالي الساذج، فكّرت أنني في طريق الإياب سأجد باصاً آخر ينتظرني، وقفتُ في مركز النقل التبادلي نصف ساعة، منتظراً، وجاءت من بعيد العروس الخضراء، السائق لا يبان لكثرة الناس، كنتُ أحد العرسان، صعدت، وبان لي جسدي ضئيلاً بين الحشد الغفير، قلت: لسّا عدّاد الانتظار شغّال.

عند المطبّ الأوّل في الطريق، تحرّك شيءٌ في رأسي، تذكّرت بطل الفيلم، ضحكتُ عليه، وفكّرت: هل يمكن أن نعتاد على مثل هذه الرفاهية في الصباح، بعدما رافقنا انتظار وسيلة النقل في المنهج الدراسي والجامعي وبعد التخرّج وبعد إيجاد عمل؟، وقلت في قلبي للعروس الخضراء، التي تقطع الطريق مسرعةً، ويحملُ طرحتها من الداخل أكثر من خمسٍ وسبعين إنساناً: “ما أحلاكِ يا حليمة بعادتك القديمة!”

لأنني من المواطنين “الطمّاعين”، توقعت أن أجد الباص في صباح اليوم التالي، وأنّ تجربتي لن تكون فقيرة ليومٍ واحد، و بقيت أكثر من أسبوع أنتظره، وكادت تفوتني “مادّة امتحانية” مرتين، عبثاً، حتى السرافيس اختفت، فهل كنتُ في حلمٍ أمام العروس الخضراء، أم هو تأكيدٌ على أنّ المواطن لا يُلدَغ من إصلاحٍ مرّتين؟

اقرأ أيضاً:نعم معالي الوزير قطاع النقل “إلى سوريا بألف ألف خير”

المقالات المنشورة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الموقع