الرئيسيةشباب ومجتمع

الحبَّابات السوريات.. بنك العائلة والحب الأزرق

يا ليت كل الحكومات حبَّابات

في الوقت الذي تنشغل فيه مراكز الدراسات بالبحث عن خطط الدعم وصمامات الأمان للمواطن السوري، يغفل معظمها عن المؤسسة الأكثر متانة واستقراراً في البلاد: “مؤسسة الحبابات”.

سناك سوري – فالنتينا محمد

“الحبّابة” هو الاسم الذي تُعرف به الجدّة في الشرق السوري. وهناك من يربط التسمية بـ”الحب”، فحين تنادي الجدّة حفيدها أو حفيدتها لتقبّلهما تقول: “تعال أعطيني حبّة”. بينما يرجّح آخرون ارتباط الكلمة بالجذر “ح-ب-ب”، مع تحوّل لفظها عبر الزمن حتى أصبحت “الحبّابة”. وتُستخدم تسميات قريبة منها في سوريا والعراق والسودان، مع اختلاف اللفظ بحسب لهجة كل منطقة.

والحبّابة ليست مجرد جدّة، بل سلطة سيادية مستقلة تجمع بين وزارة دفاع تحمي الأحفاد من غضب الآباء والأمهات، وصندوق سيادي للأسرة، وبنك مركزي تديره بصرامة وتضبط من خلاله السيولة، إضافة إلى كونها رمزاً للجمال والأصالة الفراتية.

البنك المركزي للحبابات

إذا كنت تعتقد أن المصارف المركزية تمتلك سياسة نقدية صارمة، فأنت حتماً لم تحاول يوماً سحب وديعة مالية من “صُرّة” الحبابة أو من جيب ثوبها “المرودن” العميق.

المفارقة تبدأ عندما تكون الأموال ملكك الشخصي، عيدية مثلاً أو جزءاً من مصروف أرسله لك والدك. فبمجرد أن تضعها الأقدار في يد الحبابة، تسقط ملكيتك الفعلية عنها وتتحول إلى “احتياطي استراتيجي” يخضع للقوانين الحبابية.

يخاطب الطفل حبابته: “حبابتي فدوة، بدي ألف”، فتنظر إليه نظرة فاحصة تجمع بين الحنان والشك بقدراته على إدارة السيولة، ثم تمد يدها وتعطيه 500 فقط، وتردف بلهجتها الديرية الحازمة:

“بزيادة عليك يا وليدي… شتريد تشتري بيها؟ لا تضيّع مصاريك ع شغلات مالها لزوم يا قلبي”.

فالحبابة ترى في الحفيد كائناً غير مؤهل تماماً لإدارة أصوله، ولذلك فإن حجب الـ500 الأخرى ليس بخلاً، بل إجراء احترازي لحماية الأمن القومي لجيوبه من مغريات الدكانة وأكياس الشيبس.

الحبابة السورية مع أحفادها

ومبدأها المالي ثابت: “عندي أحسن ما تطير بيدك، أني أضملك ياهن يا وليدي، وبس تريدهن أنطيك ياهن”.

ولا تنتهي خدمات البنك المركزي عند مصروف الأطفال. فعندما يحتاج شاب في دير الزور إلى سلفة لبدء مشروع، قد تكون الحبابة أول جهة تمويل تخطر بباله، قبل قرض البنك العام أو الخاص، وربما حتى قبل أن يسأل محاسب المؤسسة التي يعمل فيها.

كما أن رضا “بنك الحبابات” غاية عائلية جماعية، ما يجعله أيضاً وجهة لاستقبال الذهب والفضة والهدايا والمدخرات.

وسياسة الإيداع فيه طويلة الأجل إلى درجة أنك إذا فتشت في خزائنه قد لا تجد فقط ورقة الخمسمئة السورية القديمة التي كانت تعرف شعبياً بـ”الملحفة”، بل ربما تعثر على قروش مضى على خروجها من التداول زمن طويل.

جامعة الفرات.. نتائج الامتحانات المتأخرة تعرقل مستقبل الطلبة

لكن هذه المدخرات، على صعوبة إخراجها في الأيام العادية، تصبح جاهزة فوراً عندما تقع العائلة في ضيق أو تحين لحظة استخدامها من أجل الأحفاد أو أحد الغوالي من أفراد الأسرة.

وزارة الدفاع عن الأحفاد

من وصل إلى حضن الحبابة فهو آمن، حقيقة أدركها معظم الأحفاد باكراً، واعتمدوها استراتيجية دفاعية في مواجهة غضب الآباء والأمهات. فإذا جاء مجموعك في الشهادة الإعدادية أو الثانوية منخفضاً، أو كنت راسباً عند صدور النتائج، فما عليك سوى الوصول إلى حضن الحبابة قبل وصول الخبر إلى بقية أفراد الأسرة.

هناك تبدأ الحصانة، فهي تمنع أي شخص من الاقتراب من أحفادها، وتتحول في اللحظة نفسها إلى محامية دفاع، وربما إلى جهة اتهام مضاد إذا لزم الأمر.

وإذا ارتكب الحفيد أو الحفيدة فعلاً أغضب الوالدين، تدخل الحبابة على خط المواجهة بعبارتها الشهيرة: “يعني لما كنت بعمره ما عملت مثله؟”، وهنا، بقرار حبابي غير قابل للاستئناف، يتحول الحفيد من متهم إلى نسخة مصغرة عن والده، وينتقل ملف القضية إلى جيل سابق.

حبابة من دير الزور – سناك سوري

ويقال الكثير عن تدخل الجدات في التربية وعن أنهن “يفسدن الأحفاد” بكثرة حمايتهم ودلالهم، لكن الأحفاد لا يرون فيهن سوى مساحة أمان؛ من غضب محتمل أحياناً، ومن ضيق مالي واقتصادي أحياناً أخرى.

الحبابة الجميلة.. تتزين وتتوشم

وجوه الحبابات وأيديهن تحولت مع الزمن إلى وثائق بصرية تحمل آثار “الدق” أو “الدكة” باللهجة المحلية، بلونه الأخضر المائل إلى الزرقة، على الجبين والذقن واليدين، حتى أصبح جزءاً من الصورة البصرية المرتبطة بجدات الفرات.

لا يُعرف تاريخ محدد لنشوء ثقافة الدق، لكنها متجذرة في ذاكرة المنطقة، حيث استخدمت نساء كثيرات الوشم بوصفه جزءاً من الزينة والجمال، قبل ظهور صالونات التجميل بصورتها الحديثة.

كان الوشم بمثابة مكياج دائم للمرأة، وله تسميات تراثية تختلف بحسب مكانه.

خارج التوقيت الرسمي .. طلاب السكن الجامعي في دير الزور يبحثون عن وسيلة نقل

فالخط الممتد من الشفة إلى أسفل الذقن يسمى “السيالة”، والخطوط على جانبي الفم تسمى “اللجام”، أما الوشم عند طرف الشفة فيعرف بـ”الرثمة”.

وللدق أيضاً معتقدات علاجية وتراثية لدى بعض الجدات، إذ كان يُعتقد أن الوشم على المعصم أو الجبين قد يساعد في علاج الصداع أو آلام المفاصل الناتجة عن سنوات الحصاد والعجن والعمل الشاق.

كما ارتبط في بعض المعتقدات بالحماية من الحسد والعين، وتحول أحياناً إلى ما يشبه التميمة المرسومة على الجسد لطرد الشر.

أما طريقة تنفيذه فكانت واحدة تقريباً مهما اختلفت تسمياته؛ وخز الجلد بإبرتين أو ثلاث معاً حتى يسيل الدم، ثم فرك المنطقة بمادة تعرف محلياً بـ”السخام” أو “الشحار”، وهو السواد المتجمع أسفل أواني الطبخ على الحطب أو مصابيح الكاز، ويخلط أحياناً بحليب الأمهات أو مرارة الحيوانات. وذلك المزيج كان يمنح الوشم لونه الأخضر الذي يبقى على الجسد مدى الحياة.

الحبابات الرومانسيات.. أسماء الأحبة على الأجساد

لم تكن نقوش الجدات كلها للزينة أو الحماية. فقد تحولت أجساد بعضهن إلى دفاتر للذكريات في زمن سبق الهواتف والصور الرقمية.

فكنّ ينقشن أسماء الأشخاص المقربين والغاليين على قلوبهن، كالزوج أو الابن البكر، على اليد أو الزند أو الكتف.

وحين تسأل حبابة ديرية اليوم بفضول الأحفاد: “ليش كنتن تدقّن أسامي اللي تحبونهم ع إيديكن وكتوفكن؟”، قد تجيبك بابتسامة تلخص رومانسية جيل كامل:”يا رويحة حبابتك… يُما حنّا چنّا ندق الأسامي ع الكتوف والزند حتى يظلون ويانا وما يغيبون عن عيونا… ندق الاسم هين ع كتوفنا حتى إذا ضاق بيه الوكت وزعل، أقول له: تعال يا بعد طوايفي، حط عمرك على كتفي، وأظل وياك وأشيل همك طول العمر، وما يفرقني عنك غير الموت يا بعد قلبي”.

بهذا المعنى، تمثل الحبابة أقوى سلطة في العائلة، وربما أجملها أيضاً، تحميك عندما تخاف، وتدير اقتصادك عندما تتهور، وتفتح مدخراتها حين تضيق بك الدنيا، وتحفظ أسماء من تحبهم على جسدها، وتستقبلك كل مرة بالوجه ذاته الذي جمع الحنان والصرامة والجمال طوال عقود.

ولهذا تسمى أحياناً “حكومة العائلة”، ويا ليت كل الحكومات حبابات.

الحضور النسائي في اللجان الفرعية 11.1% .. غياب تام للمرأة في لجان حماة ودير الزور

زر الذهاب إلى الأعلى