حصة الرئيس تُكمل مجلس الشعب..تشريف أم تشريع
خلل في التوازن الجغرافي.. وغياب العدالة في تمثيل النساء

اكتمل تشكيل مجلس الشعب السوري بعد أكثر من عام ونصف على انطلاق المرحلة الانتقالية، لينهي فراغاً تشريعياً طال انتظاره، لكنه في الوقت نفسه يفتح باباً واسعاً للنقاش حول شكل المجلس وطريقة تقديمه وتوازناته الداخلية.
سناك سوري – بلال سليطين
أولى الملاحظات لا تتعلق بالأسماء بقدر ما تتعلق باللغة التي رافقت إعلان المجلس، فقد وصف رئيس اللجنة العليا للانتخابات اختيار الرئيس لأعضاء حصته بأنه “شرفهم باختيارهم”، وهي عبارة تؤسس من جديد لفكرة أن عضوية مجلس الشعب منحة تمنحها السلطة التنفيذية، لا مسؤولية عامة تستند إلى الكفاءة أو التاريخ أو المعايير التي جرى الاختيار على أساسها. وفي المقابل، فإن كثيراً من الشخصيات التي تم تعيينها اختيرت على أساس تاريخها النضالي وتضحياتها أو مساراتها المهنية أو الاجتماعية التي تجعلها مستحقة لعضويتها بغض النظر عن طريقة التعيين والاختيار.

وخلال تقديم المجلس، بدا الخطاب أقرب إلى الحديث عن خطوة منحتها السلطة للمجتمع، أكثر من كونه إعلاناً عن اكتمال إحدى السلطات الدستورية في الدولة. كالحديث عن أنه كان بالإمكان أن تمضي السلطة وهو حديث يمكن النقاش به مطولاً ومراجعة تجارب ومسارات دول لم تعتمد نهج اكتمال السلطات واستقلالها وفصلها وأدوارها الكاملة بعد ثوراتها أو انقلاباتها وإلى أين وصل بها الحال، فمجلس الشعب ليس ملحقاً بالسلطة التنفيذية، بل أحد أركان الدولة، ووظيفته التشريع والرقابة، حتى ولو كان قد جُرد مسبقاً من جزء مهم من دوره كالمحاسبة لكنه يبقى سلطة تشريعية لا تقوم أركان الدولة من دونها.
خلل في التمثيل الجغرافي
ومن الناحية الجغرافية، تستحوذ محافظة حلب على 46 مقعداً من أصل 210، أي ما يقارب 22% من أعضاء المجلس. وهي نسبة تمنح المحافظة ثقلاً تشريعياً وسياسياً واضحاً مقارنة ببقية المحافظات، سواء على مستوى التصويت أو تشكيل اللجان أو التأثير في مسار التشريعات. واللافت في تبرير هذه النسبة المرتفعة القول إن المعايير كانت على أساس الكفاءة وما إلى ذلك وهو جواب بثير تساؤلات حول حصر الكفاءة بجغرافيا محددة فعندما يكون عدد نواب محافظة يعادل قرابة 7 أضعاف محافظة أخرى كالرقة وقربة 3 أضعاف نواب محافظة دير الزور يكون لديك خلل في التمثيل الجغرافي وتوزيع المقاعد أكثر من اعتماد معايير الكفاءة.
تمثيل خجول للنساء
عدالة تمثيل النساء ماتزال مفقودة في سوريا مع حصول النساء على 10.6% من إجمالي المقاعد التي تم ملؤها حتى الآن، وهي نسبة مشابهة لنسب تمثيل النساء في مجالس الشعب السوري من عام 1998 حتى اليوم.
ويعزو رئيس اللجنة العليا لانتخابات مجلس الشعب “طه الأحمد” ضعف تمثيل النساء إلى نتائج الانتخابات غير المباشرة التي تم إجراؤها لاختيار 137 نائباً في المجلس حتى الآن. لكن نتائج هذه الانتخابات ترتبط أيضاً بمن يصوت فنسبة النساء باللجان الفرعية على مستوى كل سوريا لم تتجاوز 17% وفي بعض الدوائر كانت النسبة 6% فقط.
وهذه النسبة على الرغم من محاولة الثلث المعين تعديلها من 7 سيدات عبر الانتخابات إلى 22 سيدة إجمالي المنتخبات والمعينات إلا أنها تبقى عند حدود 10%، وهي لا تساهم في التأسيس لتمثيل مستدام للنساء داخل المؤسسة التشريعية ولا في التأسيس لمشاركة أوسع وغير تقليدية لهن في الحياة العامة، وهي لا تقترب حتى من النسبة الموصى بها دولياً والتي تمثل 30%.
وعلى الرغم من انخفاض نسبة النساء في المؤسسة التشريعة إلا أن نسبتهن تبقى أفضل من نسبتهن على مستوى مواقع اتخاذ القرار في السلطة التنفيذية والتي تقارب 6.41%.

الحضور السياسي المحدود والمحدد
خلال قرابة 70 عاماً انعدمت الحياة السياسية في سوريا، وشكلت نقطة التحول التاريخية بالخلاص من نظام الأسد فرصة لبدء حياة سياسية حقيقة في سوريا، إلا أن هذه الحياة لم يكتب لها فعلياً الولادة لعوامل عديدة، وكان ينتظر من المجلس أن يساهم في خلاص المولود من حالة الوأد التي يعيشها.
ويحسب للمجلس أنه أخذ بعين الاعتبار تمثيل شخصيات سياسية وقدر عددهم بحوالي 15 شخصاً 5 منهم كانوا في الإئتلاف السوري المعارض، في المقابل يغيب تمثيل واضح للتيارات السياسية المدنية الحديثة بمختلف توجهاتها الفكرية. ونسبة السياسيين تقارب 7% من إجمالي أعضاء المجلس الـ 210، لكن بالمحصلة يطغى على المجلس تمثيل الشرائح الاجتماعية والمهنية على حساب تمثيل التعدد السياسي في البلاد والاختلافات والتنوعات وإن كان لَحِظَ جزئياً التمثيل السياسي وهذه نقطة ايجابية في خضم كم التوازنات الهائلة التي كان يجب لحظها بالتشكيل، إلا أن هذا الإشراك السياسي محدد بدقة.
ملاحظات إجرائية
رغم طول فترة الانتظار إلا أن المجلس لم يكتمل كلياً وبقي فيه 4 مقاعد شاغرة، 3 عن السويداء و1 عن جسر الشغور بعد وفاة الدكتور “محمد كلثوم”، وبالتالي إجمالي المقاعد التي تم ملؤها حتى الآن هي 206 من أصل 210.
وبحسب “الأحمد” فإن أول جلسة للمجلس ستكون يوم الاثنين القادم، لكن المؤتمر الصحفي لم يأتِ على ذكر المقعد الشاغر في مجلس الشعب وآليات اختيار البديل هل ستكون عبر اعتماد المرشح الذي يليه بعدد الأصوات أو عبر إجراء انتخابات لملئ الشاغر، وقد تبقى أسبوع فقط على انطلاق أعمال المجلس.
في المحصلة، فإن النقاش حول مجلس الشعب لا يتعلق فقط بالأسماء التي دخلته، بل أيضاً باللغة التي قُدِّم بها، والتوازنات التي قام عليها، ونسب تمثيل المحافظات والنساء والسياسيين، وهي كلها مؤشرات ستساعد لاحقاً في فهم طبيعة الدور الذي سيؤديه المجلس خلال المرحلة الانتقالية، ومدى قدرته على التحول إلى سلطة تشريعية فاعلة لا مجرد مؤسسة جديدة ضمن هيكل الدولة.









