الجمارك السورية.. رفع الرسوم وإعادة توزيع الأعباء
كيف ينعكس قانون الجمارك السوري الجديد على المواطن؟

أصدرت سوريا قانون الجمارك الجديد بـ 264 مادة بعد عام من رفع العقوبات الأميركية عن سوريا وتبني السلطات الانتقالية لسياسة السوق الحر، وهي خطوة تطرح تساؤلات حول فائدتها للسوريين ونجاحها في إعادة حوكمة العمل الجمركي في ظل واقع اقتصادي هش، وقدرة شرائية متهاكلة.
سناك سوري_ هبة الكل
ترفع تسعيرة الجمارك الجديدة الرسوم لتعزيز الإيرادات العامة، وتحاول إعادة توزيع العبء الجمركي بما يتناسب مع طبيعة الاستهلاك من وجهة نظر الخبراء، ومن وجهة نظر أخرى فإنها تعكس جاهزية سوريا للدخول في دورة التجارة العالمية والاندماج الاقتصادي.
إعادة توزيع العبء الجمركي
بينما يرى الخبير الاقتصادي “إبراهيم نافع قوشجي” أنّ التعديلات الأخيرة في التعرفة الجمركية، تعكس توجهاً واضحاً نحو إعادة ترتيب أولويات السياسة التجارية، حيث خُفّضت رسوم السلع الأساسية والغذائية للحدّ من الضغوط التضخمية، مقابل رفع رسوم السلع الكمالية وشبه الكمالية لتعزيز الإيرادات العامة.
مشيراً إلى أنّ هذا التوجه يمثّل محاولة لإعادة توزيع العبء الجمركي بما يتناسب مع طبيعة الاستهلاك ومستوى الضرورة الاقتصادية لكل سلعة، في ظل بيئة اقتصادية تعاني من تراجع القدرة الشرائية وارتفاع تكاليف الإنتاج.

قانون الجمارك يحدد العلاقة بين الدولة والسوق المحلية والخارجية
ترى الدكتورة “منال الشياح” وهي نائب عميد كلية الاقتصاد الثانية في درعا أن قانون الجمارك يتطلب إعادة تقييم هيكل الاقتصاد الوطني بالكامل وفق حسابات دقيقة مدروسة، بدءاً من حماية الصناعة المحلية، مروراً بإدارة الاستيراد، وصولاً إلى ضبط القطع الأجنبي.
وتعتقد “الشياح” أنّ تأخر صدوره الفترة الماضية يعكس رغبة حكومية في الوصول إلى صيغة توازن بين متطلبات الانفتاح الاقتصادي من جهة، والحفاظ على الاستقرار الداخلي والأسعار والإنتاج المحلي من جهة أخرى، تجنباً لأي انعكاسات مباشرة على الأسعار.
وتضيف أن، ما يمنح الشركات الدولية قدرة أكبر على التعامل مع السوق المحلية، ضمن قواعد مفهومة ومعترف بها عالمياً، والذي بدوره ينقل الجمارك من قانون تقني إلى صورة الدولة الاقتصادية أمام العالم.

هل ستنخفض الأسعار؟
شملت التعريفة الجمركية الجديدة لعام 2026 نحو 21 قسماً، موزعة ضمن 99 فصلاً لفئات السلع ورسوم استيرادها، فبينما سجلت مواد غذائية أساسية مثل السكر، الزيوت، الأرز، والحليب المجفف، انخفاضاً في رسومها، شهدت سلع أخرى كالقهوة، الشوكولا، المكسرات، العسل، اللحوم المجمدة، الزبدة، والبيض، قفزات مرتفعة في الرسوم الجمركية المطبقة عليها.
يؤكد “قوشجي” أنّ تخفيض رسوم السلع الأساسية لا يعكس انخفاضاً حقيقياً في الأسعار النهائية للمستهلك، نظراً لارتفاع تكاليف النقل وضعف المنافسة المحلية، إلا أنّه قد يسهم في إبطاء وتيرة ارتفاع الأسعار، ويمنح المستهلك متنفساً في سلة الغذاء الأساسية.
ومع ذلك، ينوه قوشجي إلى أنّ ارتفاع رسوم السلع الكمالية، سيضغط على الدخل اليومي للمواطنين ويقلص هامش الرفاه الغذائي لديهم، مما يُبقي المستهلك في حالة ضغط مستمر، ما يحول دون الاستفادة الكاملة من تلك التخفيضات الجمركية، في حال لم تترافق مع إصلاحات أوسع تشمل سوق العمل والدخل الشهري.
وزارة الإسكان السورية تتراجع عن تعميمها وخبير يكشف الرقم الحقيقي للعجز السكني
توقعات برفع تكاليف البناء بعد إقرار قانون الجمارك
يتوقع “قوشجي” أن ترتفع التكلفة النهائية للبناء لأن تخفيض رسوم المواد الأولية للبناء، مثل الكلينكر والبليت والذي سيدعم الصناعة المحلية ويقلل تكاليف انتاجها، لكن بالمقابل ارتفاع رسوم المواد الجاهزة كالحديد، السيراميك، الدهانات، والزجاج، سيتسبب في رفع التكلفة النهائية للبناء، وذلك لأن المواد المشمولة بالرفع جمركياً تدخل في قطاع البناء بشكل مباشر، ما يؤثر سلباً على أسعار العقارات، وقدرة السوق على الترميم وإعادة الإعمار.
وبالرغم من أنّ بعض الصناعات ستستفيد من تخفيض الرسوم على المواد الأولية، خصوصاً مصانع الحديد والإسمنت، إلا أنّ قوشجي يحذر من خطورة ارتفاع التكاليف التشغيلية لصناعات أخرى مثل الألمنيوم والزجاج والأنابيب البلاستيكية والأدوات الصحية، الأمر الذي يعكس غياب رؤية صناعية متكاملة، ويجعل أثر التعديلات متفاوتاً بين قطاع وآخر، وفقاً لقوشجي.
سوريا: المالية تبحث عن تغطية عجز الموازنة بين أموال المغتربين وثروات الظل
قانون الجمارك.. جمع أموال أم حماية اقتصاد وطني؟
نجاح قانون الجمارك لا يُقاس بحجم الأموال التي يجمعها وحسب، بل بقدرته على حماية الاقتصاد الوطني، وضبط السوق، ودعم الصناعة، والحفاظ على الاستقرار المعيشي للمواطنين، وذلك بحسب “الشياح” التي تضيف أنّ حماية المنتج المحلي تكون عبر دعم الصناعات القادرة على التطور والمنافسة، وتربط الإعفاءات والحوافز بتحسين الجودة وزيادة الإنتاج والتصدير.
تحدي الفساد؟
أكبر تحدي أمام قانون الجمارك الجديد هو النجاح في مكافحة الفساد والتهرب الجمركي، وعلاج ضعف الرقابة وتعدد الاستثناءات وفقاً للشياح، مشيرة إلى أنّ التحول نحو التخليص الإلكتروني وتبسيط الإجراءات، يمكن أن يقلل من الفساد ويزيد الإيرادات دون تحميل المواطن أعباء إضافية.
مخاوف من استمرار التضخم الهيكلي
يخلص “قوشجي” إلى أنّ هذه التعديلات الجمركية ستؤدي إلى تغيير في بنية التضخم لا في شكله العام، إذ سيتباطأ تضخم الغذاء الأساسي، مقابل ارتفاع أسعار الكماليات والبروتينات ومواد البناء، ومحذراً من بقاء التضخم الهيكلي، نتيجة ارتفاع تكاليف الطاقة والنقل وثبات الأجور، فضلاً عن أثر التعريفة على القطاع الصناعي الذي سيبقى متفاوتاً.

يجمع الخبراء على أنّ تعديل التعريفة الجمركية السورية خطوة مهمة لإعادة هيكلية السياسة الاقتصادية والتجارية، لكنه لا يعني عودة فورية للتجارة العالمية، فالتحديات قائمة، منها ما يتعلق بالتحويلات المصرفية والشحن والتأمين وتذبذب أسعار الصرف، ومنها ما يرتبط ببنية إلكترونية متطورة، كتطبيق نظام الرموز الجمركية الموحدة، والذي يتطلب إدارة البيانات الجمركية وربطها بالمرافئ والمصارف وشركات الشحن، في وقت لا تزال فيه بعض المؤسسات تعمل بآليات تقليدية وبيروقراطية.





