أخر الأخبارالرئيسيةفن

مسلسلات تسقط في فخ المباشرة .. غياب الرقيب يحرم الدراما من ذكاء المراوغة

بين قلم حمرة وقيصر .. تحوّل الدراما السورية من إبداع التفلّت من الرقابة إلى المباشرة التوثيقية

شهد الموسم الرمضاني الحالي أول ظهور للدراما السورية بأعمال تمت كتابتها وإنتاجها وتمثيلها كاملةً خارج سلطة نظام بشار الأسد، لتختبر التحرر منه لأول مرة منذ عقود لكنها خسرت في العديد من الأعمال ذكاء المراوغة وغرقت في المباشرة.

سناك سوري _ محمد العمر

وفي وقتٍ زالت في سقوف الرقابية عن تناول جرائم النظام السابق وانتهاكاته، فقد وقعت بعض الأعمال في فخ المباشرة الفجّة، دون معالجة درامية أو خلق سياق فني قادر على منح نظرة أعمق للأحداث.

فمثلاً لجأ مسلسل “قيصر .. لا زمان لا مكان” إلى عرض مشاهد تعذيب السجناء ليقول أن هناك تعذيب في السجون، وإلى عرض مشاهد اختناق ليقول أن النظام استخدم السلاح الكيماوي، دون أن يجهد نفسه في خلق سياق درامي لتناول التعذيب في السجون، وللتعمّق في آثاره على المعتقلين نفسياً وجسدياً، وعدم الاكتفاء بعرض مشهد تعذيب مباشر ينقل العمل من كونه مسلسلاً تلفزيونياً ليقترب من فيلم توثيقي للأحداث.

مشهد التعذيب سيظهر بشكل مباشر أيضاً في مسلسل “مولانا”، لكنه جاء ضمن سياق القصة ولم يكن هو القصة كلها، بالإضافة إلى عرض مشاهد مماثلة في مسلسل “الخروج إلى البئر” الذي يتناول استعصاء سجن صيدنايا، لكنه كذلك وظّف المشاهد في إطار درامي عام.

لم يعد “هداك المسلسل”.. الدراما السورية تقترب من حقبة الأسد بلا مواربة

جدل التعذيب والاغتصاب

بالإضافة إلى الجدل الذي أثاره عرض هذه المشاهد حول مدى أخلاقية تناولها بهذه الطريقة، لما تحمله من آثار على عائلات ضحايا التعذيب وما ستثيره هذه المشاهد من ألم في نفوسهم حين يتم تذكيرهم بذويهم بهذه الطريقة، واستعراض العذابات التي تعرّضوا لها.

كما تضمّن المسلسل ذاته مشاهد لتعرّض معتقلة للتحرش والاغتصاب على يد محقق في المعتقل، الأمر الذي يرسّخ صورة نمطية مشوّهة تحمّل المعتقلات النساء وصمة عارٍ بأنهنّ تعرّضن جميعاً للاغتصاب، ما يضعها في موقفٍ يضطهدها إثره محيطها ويحمّلها عقدة ذنبٍ تزيد من آلامها حتى بعد الخروج من المعتقل.

بعد مشهد شتم الساروت .. نقابة المحامين تدعو لوقف عرض مسلسل قيصر وفتح تحقيق بمحتواه

مسلسلات قالت كل شيء رغم الرقيب

في المقابل، أنتجت الدراما السورية على سبيل المثال عام 2014 مسلسل “قلم حمرة” وتناول بشكل صريح ومباشر قصة اعتقال امرأة وما تعرّضت له من ألم داخل المعتقل، دون الحاجة لأن يظهر جلّاداً يضربها أو محققاً يغتصبها، بل وضع حكايتها في سياق درامي جعل منها أكثر تأثيراً، وقال كل ما يجب قوله دون الحاجة لعرض مشاهد قاسية تنتهك مشاعر ذوي الضحايا أولاً قبل بقية المتابعين.

كذلك فعل مسلسل مثل “الولادة من الخاصرة” عام 2011 في تناوله لبدايات الثورة السورية، فيما غاص مسلسل مثل “غزلان في غابة الذئاب” عام 2006 في عمق منظومة الفساد وغطرسة أبناء المسؤولين بكل واقعية حتى راح الجمهور يحاول معرفة المقصود من العمل على أرض الواقع، علماً أن هذه المسلسلات وغيرها قدّمت نقداً حادّاً للسلطة مرَّ بذكاء من تحت مقص الرقابة المشدّدة في عهد النظام السابق، والذي زاد من رقابته على الأعمال الفنية خلال سنوات الثورة وحاول الدفع لإنتاج أعمال تدعم سرديته وتروّج لرؤيته وتمجّد أفعاله، ولاقت بطبيعة الحال فشلاً جماهيرياً لأنها كانت أقرب لدروس التوجيه المعنوي منها إلى الأعمال الفنية.

 وصف الزنزانة لا يكفي

هذه المباشرة ظهرت في بعض أعمال هذا الموسم، وبدا كما لو أن النصوص المكتوبة أقرب للتوثيق والتقرير من كونها نصوصاً درامية تحتاج ذكاءً في المعالجة والتناول ووضع لمسة فنية على الأحداث لتحوّلها إلى حكايات تؤثر في الناس، وتنقلهم من “نشرة الأخبار” إلى “العمل الدرامي”.

مسلسلات سورية أثارت الجدل منذ بداية عرضها

واللافت أن هذا النوع من “التلقين المنبري” والمباشرة واستثمار حداثة لحظة سقوط النظام، سيمتد حتى إلى الفواصل الإعلانية التي تضمنت وإن من باب تسويقي، إشارات وتلميحات سياسية عن “سوريا” الجديدة وولادتها من رحم الألم.

التحرر من سطوة الرقابة التي طغت في عهد النظام السابق، يمنح فرصة للكتّاب والمبدعين لخوض تجربة مختلفة لا يخافون خلالها من عواقب أعمالهم، لكنه لا يعني استسهال عرض الأحداث دون قالب درامي يتعمّق في تفاصيل ما حدث ولا يكتفي بنقله من السطح.

الباحثة الأمريكية “ميريام كوك” تنقل في كتابها “سوريا الأخرى .. صناعة الفن المعارض” حديثاً للشاعر والكاتب المسرحي الراحل “ممدوح العدوان” يقول فيه «لا يكفي أن نصفَ زنزانة السجن، لا بدّ أن نقدّم عن كثب مشهد انكسار الروح، ولا يكفي أن نوصّف آلة الطغيان بل لا بدّ من أن نرفع الغطاء عن تقنية الطغيان كي نكتسب القدرة على مقاومتها ونحوّل إحباطنا إلى تفاؤل»

زر الذهاب إلى الأعلى