الرئيسيةتقارير

حبس السيولة يضغط على آلاف الأسر السورية وخبراء يحذرون

متقاعدون وموظفون بلا رواتب منذ نهاية 2025

داخل منزلهما في حي شعبي، يجلس زوجان متقاعدان يقتربان من السبعين بانتظار الراتب، المكان هنا غير مهم، فالقصة تتكرر في مدن وقرى سورية عديدة، أحدهما مصاب بسكتة دماغية خلّفت مشاكل حركية دائمة، ويحتاج دواء شهرياً بات عبئا ثقيلاً، منذ نهاية العام الفائت، لم يدخل إلى منزلهما أي راتب تقاعدي، يعيشان اليوم على الاستدانة، وعلى ما يقدمه الأبناء حين يتيسر، رغم أن أوضاعهم المادية ليست بأفضل حال.

سناك سوري-دمشق

هذه القصة واحدة من مئات الحالات في ظل سياسة نقدية يصفها اقتصاديون بأنها حبس للسيولة مهما كانت كلفتها الاجتماعية.

يقول أستاذ الاقتصاد في جامعة حلب “حسن حزوري” إن ما يجري ينطبق عليه المثل القائل، نجحت العملية ومات المريض، ويوضح أن سياسة تجفيف السيولة التي يعتمدها مصرف سورية المركزي لضبط سعر الصرف، لا يعقل أن تمتد إلى المعاشات التقاعدية، خصوصاً أن التصريحات الرسمية تعتبر الرواتب والأجور والمعاشات التقاعدية خطاً أحمر.

لكن الواقع، وفق “حزوري”، مختلف، فالمشكلة تتركز برواتب من أحيلوا حديثاً إلى التقاعد، والذين صدرت لهم شيكات عن المؤسسة العامة للتأمين والمعاشات عبر المصرف التجاري السوري، بمبالغ صغيرة جدا قد لا تتجاوز 80 ألف ليرة سورية جديدة.

ويضيف: «تمتنع الإدارة العامة للمصرف عن صرف هذه الشيكات، وألغت موافقات سابقة، في وقت لا يملك فيه بعض المتقاعدين حسابات جارية، فيما توقف أساساً فتح حسابات جديدة، السؤال كيف سيحصل هؤلاء على أموالهم؟».

وأرفق في منشوره مثالاً عن الامتناع عن صرف شيك صادر بتاريخ كانون الأول الفائت، عن المؤسسة العامة للتأمين والمعاشات، «قيمة معاشات تقاعدية، والمبلغ لايتجاوز 76 الف ليرة سورية جديدة».

من جهته، يرى أستاذ التمويل والمصارف في جامعة حماة “عبد الرحمن محمد”، بتصريحات نقلتها صحيفة الوطن المحلية، أن سياسة تجفيف السيولة تُستخدم كأداة نقدية أساسية للسيطرة على المعروض النقدي، وقد تؤدي إلى استقرار مؤقت لسعر الصرف، لكنها تضرب القدرة الشرائية للأفراد، وتعطل العمليات اليومية للشركات.

ويحذر من أن هذه السياسة، رغم مبرراتها قصيرة الأجل، تنطوي على مخاطر جوهرية تضعف الثقة التي يسعى المركزي لبنائها، إذ تقيد النشاط الاقتصادي، وتحول المصارف من وسيط فاعل في تخصيص الائتمان إلى أداة سلبية، وتدفع الاقتصاد نحو الركود، وتفتح الباب أمام القنوات غير الرسمية، ويضيف: «إذا لم يقترن الاستقرار الاسمي للصرف بتحسين السيولة وتوسيع الائتمان، فإن الثقة ستظل هشة».

سعر الدولار الحقيقي 19 ألف

أما الخبير الاقتصادي “جورج خزام”، فيقدم قراءة أكثر حدة، معتبراً أن تقييد السحب النقدي يهدف إلى عدم انكشاف السعر الحقيقي المرتفع للدولار، الذي يتجاوز 19 ألف ليرة، وإقناع الناس بأن السياسات الاقتصادية الحالية، القائمة على الإغراق بالمستوردات على حساب الصناعة الوطنية، لم تؤدِّ إلى ارتفاع أكبر في سعر الصرف.

ويضيف “خزام” أن تجفيف السيولة بالليرة، مقابل تجفيف الدولار من قبل المستوردين، يعني عملياً توزيع التضخم النقدي على المودعين أصحاب الحق باسترجاع أموالهم، ما يؤدي إلى انهيار القوة الشرائية، وتراجع الطلب، وتوقف المصانع، وزيادة البطالة، والكساد، مع تجميد الأسواق.

في الأثناء، يبقى الزوجان المتقاعدان، وغيرهما كثيرون، عالقين بين تصريحات رسمية تطمئن، وإجراءات مصرفية تقطع موردهم الوحيد، وبينما يطالب اقتصاديون بتدخل حاكم مصرف سورية المركزي أو وزير المالية لحل هذه المشكلة لدى المصرف التجاري السوري، يبرز سؤال منطقي كيف يمكن لسياسة نقدية أن تنجح، فيما يفقد المتقاعدون الحد الأدنى من الأمان المعيشي؟

يذكر أن الحكومة السورية بدأت بسياسة حبس السيولة بعد التحرير مباشرة بهدف ضبط سعر الصرف، ما أدى لتأخر الرواتب، لكن مع بداية الصيف الفائت تحسن الوضع وبات الموظفون يحصلون على رواتبهم بانتظام تقريباً، قبل أن تعود تلك السياسة مع بداية العام الجاري بالتزامن مع طرح العملة السورية الجديدة في السوق.

زر الذهاب إلى الأعلى