هذا الشتاء قاسٍ جداً جداً – شاهر جوهر

سيدة سورية تجمع حطب الشتاء - سناك سوري

قد يكذب الموظفون لكن الاقمار الاصطناعية والتلسكوبات لا تكذب

سناك سوري – شاهر جوهر

لدي قريب لا يخلو من اللطافة والخبرة، خمسيني و بصحة جيدة، دائماً يقول أن الحياة “دعّكته” حتى أصبح صاحياً للطماتها. أصرّ في ذاك اليوم أن أزرع أرضي في موعدها كما في كل عام، استأجر جراراً (على حسابي طبعاً)، وحمّلني أكياس البذار وقمت بنقلها للأرض مجهداً.

أخبرته أن الأرصاد الجوية توقّعت عدم سقوط الأمطار خلال الأيام القليلة القادمة، لكنه لم يعطِ لحديثي أهمية، نظر إلى السماء حيث نامت فوقنا غيمة كبيرة كأفعوان صيني، غطّس إصبعه في جوف فمه ثم تركه حراً للهواء، نفّضه كمن ينفض ميزان حرارة، ثم قال:
– أرصادك الجوية تكذب
– قد يكذب الموظفون لكن الاقمار الاصطناعية والتلسكوبات لا تكذب
– ومن أخبرك يا حنون أن لدينا تلسكوبات و أقمار، إنهم يكذبون عليك

تأخأخ ثم أخبرني حكاية طريفة لا أدري من أين ابتدعها أو سمعها، تقول الحكاية:

«في مكان ما في البادية السورية كان شتاء أحد الأعوام قاسٍ جداً، فقد غرقت خيم البدو والتهمت السيول الجائعة خرافهم، ومع بداية شتاء العام الذي يليه وقف أهالي إحدى القبائل أمام زعيمهم في خوف وحيرة، سألوه برجاء عن حالهم هذا الشتاء وهل سيكون قاسٍ كما في العام الفائت أم لا.

فكر زعيم القبيلة بحيرة، ثم قال لهم بعد دقائق (اجمعوا الحطب فالشتاء قاسٍ هذا العام).

سمع أفراد القبيلة نصيحة كبيرهم، لكن حين انفرد بنفسه راودته وساوس حول نبوئاته، فإن أخطأ رأيه لن يثق به أحد، فقام بالاتصال بالأرصاد الجوية في العاصمة يسألهم عن حال هذا العام، فأجابه الراصد:

– إنه شتاء قاسٍ يا عزيزي

حينها عاد الزعيم لقبيلته مرتاح البال. لكن في اليوم التالي عاد سكان القبيلة مرة أخرى يكررون تأكيداتهم:
– هل شتاء هذا العام كقسوة العام المنصرم ؟
فقال الزعيم :
– نعم هو كذلك
فانتشر سكان القبيلة يجمعون الحطب أكثر من قبل، ومرة أخرى انزوى كبيرهم وعاود الاتصال بالأرصاد الجوية فأجابه الراصد بثقة:
– إنه قاسٍ جداً جداً

اقرأ أيضاً: من لا يرضى يعيش أفضل – شاهر جوهر

هنا ثير فضول الزعيم وسأل الراصد بدهشة:
– كيف تعرفون كل هذه المعلومات ؟

أجابه الراصد :
– لقد رأينا البدو في البادية يقومون بجمع الحطب بكثرة هذا العام».

انتهى قريبي من سرد حكايته ثم قام بربط وزرتي على خصري وملئها بالشعير، شرعت بعدها في بذر الحبوب متوجساً، وعلى مسافة قريبة لحقني يندب وهو يصفق يداً فوق يد:
– هل تسمي هذا بذار؟
– الكل يبذر بهذه الطريقة، موظفو الزراعة كانوا يبذرون مشتلهم الحكومي بهذه الطريقة
– لأنهم أغبياء، كلكم أغبياء، سأعلّمك طريقة مميزة
ثم وعدني أن يكون موسماً مميزاً، أضاف في بهنسة:
– لن تجد بذّاراً في الجنوب كله يفوقني في البذار لا موظفوك الحكوميون ولا تلسكوباتك الصناعية.

هصر كتفه إلى كتفي، ثم طلب مني أن أقلّده، مسك في شماله وزرته، ثم ثنى يمينه مثل خطّاف وقبض قبضة من الحبوب، رفع يده وأدارها نصف دورة وقذف بالحبوب فبدا كشخص يرقص “رقصة الرجل الآلي”.

ثم طلب مني أن أكرر فعله، سألته:
– هل من الممكن أن تعيد
عاود الحركة مرة ثانية، حاولت فعل ذلك لكنه صاح في وجهي:
– القاعدة الأولى: اجعل كوع يدك زاوية قائمة، أنت متعلم ولا تعرف الزاوية القائمة، اجعلها 90 درجة.
– هكذا؟
– نعم، القاعدة الثانية : اخطف بيدك قبضة من الشعير
– هكذا؟
– بل هكذا .. اضغط على الحبوب جيداً، هل صدقاً أنك درست جامعة، كيف تخرجت .. اتبعني
– تبعتك
– القاعدة الثالثة : سر خطوة باليسار
– سرت
– ثم يمين واقذف الحبوب على مسافة مترين ونصف

قلت ملطّفاً الجو:
– وهل أقيسها بالمتر أم بالديكّا؟
– قدّر المسافة بنظرك، القاعدة الرابعة : واحدة ضم وواحدة فتح.

اقرأ أيضاً: الفاجعة كبيرة و الأمل في المعزاية – شاهر جوهر

في تلك الأثناء صاح صاحب الجرار يرجونا ألا نؤخره، وعلى إثره طلب مني أن أباشر البذار، وبالفعل انطلقت :
– زاوية قائمة .. يسار يمين .. واحدة فتح وأخرى ضم .. واحدة فتح وأخرى ضم .. زواية قائمة…

يووه كان يوماً متعباً، بعد ساعة انتهيت وقد شلّت يدي، بحثت عن قريبي فوجدته قد استوقف صاحب المحراث يحدثه، تحدثا قليلاً ثم طلب مني الإذن بالمغادرة، وقبل ذلك قال ناصحاً (لا تنسى، واحدة فتح وأخرى ضم). اقتربت نحو صاحب المحراث وقد راودني هاجس الحشرية فسألته عمّا أراده منه قريبي، قال بحسن نية :
– لا شيء مهم، كان يسألني عن الأرصاد الجوية إن كانت ذكرت أن هناك فرصة لتساقط الأمطار قريبا أم لا.
– وماذا أجبته ؟
– أخبرته أن الأرصاد الجوية قالت أنها لن تمطر لأسبوع على أقل تقدير، لهذا طلب مني تأجيل زراعة وحراثة أرضه، كما سألني إن كنت أعرف أشخاصاً لديهم خبرة في بذار الشعير حتى يقوموا في بذار أرضه بعد أسبوع.

اقرأ أيضاً: آخر حديث مع “أبو طلال” – شاهر جوهر

المقالات المنشورة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الموقع