ليلة حمراء ! – رحاب تامر

لم تكن لتتخيل أو حتى يخطر في بالها أن تمضي ليلتها الحمراء الأولى بهذا الشكل!

سناك سوري-رحاب تامر

كانت صديقتي قد وصلت غرفتها المُستأجرة في حي عشوائي بالعاصمة “دمشق” في ساعة متأخرة من إحدى الليالي، قادمة من مكان عملها الثاني كبائعة ثياب، حين بدأ “صرصور” بعزف سمفونيته المعتادة حارماً إياها من النوم.

تناولت القليل من الطعام، غيرت ملابسها، فتحت جوالها تتصفح الفيسبوك، على أنغام معزوفة “الصرصور” التي لم تتوقف، تقلبت كثيراً تلك الليلة، لم تستطع أن تنام، وكأن كل الكون “صرصور” وهي فقط.

-دعني اسكت أيها الفاجر.

قالتها مطلقة العنان لروحها تحدث غريمها بصوت مرتفع.

-حسناً إذاً، تريد تسلية، في الحقيقة أنا مثلك أبحث عن تسلية ما، لكني لا أجدها في زحام أيامي.

أنا يا صديق الليلي الجديد، عينوني بعد تخرجي من الجامعة في العاصمة، لا أملك منزلاً هنا ولا أي أقارب، وجدت هذه الغرفة الرثة بعد عناء، تكلفني كل راتبي الحكومي، والراتب الآخر من عملي الثاني كبائعة ملابس يكفيني قليلاً لأعيش به أيامي.

أتعلم يا صرصور، لطالما وجدتك مختلفاً أنظر إليك بطريقة مغايرة لنظرة بنات جيلي، أنت لست مخيفاً، كلا أنت اليوم لا تخيفني ولكنك تزعجني جداً، أريد أن أنام وأنت لا تدعني وشأني.

تريد أن تقول لي إن أصوات السيارات في الخارج أقوى، ربما معك حق لكني معتادة عليها، بعكسك أنت جديد تماماً بالنسبة لي، لذا أجدك مزعجاً وأريدك أن تغادر.

اقرأ أيضاً: في عيد الحب: لاتريد وردة ولا دب… تريد فقط الحب

حسناً لا تصمت، وأنا مثلك أريد أن أتحدث، أتعلم أني صباحاً تعثرت مرتين وانتزع حذائي بسبب حفرة الشارع البغيضة، وأنا اليوم لا أملك سوى حذاء واحد إن حلّ به بلاء سألزم المنزل حتى أتمكن من شراء واحد جديد.

هل تعلم أن المسجد في الحي يصدر المواعظ ويطعمها للناس الجائعة، وأن البلدية التي كانت السبب في انتزاع حذائي تعدنا كل عام بتصليح الطرقات.

هل تعلم أيضاً أن والد زميلتي الذي كان يعيش على إحسان من حوله، بات اليوم رجل أعمال كبير وصديقتي لم يعد يناسبها أن ترافقني، آخر مرة قالت لي إن والدها شخص يعلم كيف تؤكل لحم الكتف، وبعد ذلك رأيتها تقود سيارة “أم ثلاثة أمتار”، وأنا بالكاد أمشي بحذاء من البالة.

كلا يا صرصور هذه الدنيا ليست عادلة على الإطلاق، لقد سافر حب حياتي مؤخراً إلى ألمانيا كنا قد تواعدنا أن نلتقي كل يوم على الماسنجر، لكنه ومنذ أكثر من أسبوع لم يعد يكلمني، ربما باع الحب بالجنسية الأوروبية وتركني هنا لمصيري مع الحرب ومعك وهذه الغرفة!.

إنها الخامسة فجراً، أنت حقاً لم تدعني أنم، لكن صوتك أصبح مألوفاً جداً أعتقد أني اعتدت عليه كما كل متغيرات حياتي، كنت طيباً جداً معي، استمعت لي في وحدتي، تركتني أتحدث وأتحدث دون أن تقاطعني أو تحكم علي، أتعلم يُخيل إلي الآن أنك ستقترب لتضمني إليك وتقول لي لا تخافي، ربما أيضاً قد يتطور هذا المشهد كما في المسلسلات التركية، في الحقيقة لم أتخيل يوماً أن تكون ليلتي الحمراء الأولى بهذا الشكل، على الأقل لم أكن أنتظر أن يكون الطرف الآخر فيها “صرصوراً”!.

اقرأ أيضاً: مهندسون يشكون تعيينهم خارج محافظاتهم.. الراتب ما بكفي نحنا وببيوتنا!!

المقالات المنشورة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الموقع