فارس الخوري: دعم الثورة فدفع الثمن .. وخاف من الشيوعية فندِم

فارس الخوري _ انترنت

المسيحي المؤتمن على أوقاف المسلمين .. جلس بمقعد فرنسا 25 دقيقة

سناك سوري _ دمشق

تصادف اليوم ذكرى وفاة السياسي السوري البارز فارس الخوري (1877-1962)، الذي ذاع صيته وحفر اسمه في التاريخ السوري الحديث في الفترة ما بين الاحتلال العثماني ثم الفرنسي وصولاً إلى مرحلة ما بعد الاستقلال. 

من قرية “الكفير” التابعة حالياً “لقضاء حاصبيا” اللبنانية اليوم والتي كانت جزءاً من سوريا آنذاك، جاء “الخوري” من أسرة مسيحية لكنه كان معروفاً برفضه للطائفية واستغلال الأديان لتفريق أبناء البلاد الواحدة من قبل المستعمر وعرف عنه قوله الشهير مطلع مرحلة الانتداب الفرنسي «إذا كانت فرنسا تدعي أنها احتلت سوريا لحمايتنا نحن المسيحيين من المسلمين، فأنا كمسيحي أطلب الحماية من شعبي السوري، وأنا كمسيحي من هذا المنبر أشهد أن لا إله إلا الله»

كان والده نجاراً بروتستانتياً وحمله للدراسة في “الكلية السورية” ( الجامعة الأمريكية ببيروت حالياً)، إلى أن تخرّج منها عام 1897 حاملاً شهادة “البكالوريوس”، وبدأ العمل بالتدريس ثم بالترجمة قبل أن ينال ليسانس الحقوق، وقد تزوج من السيدة “أسماء عيد” وأنجب منها ابنه “سهيل” والد الأديبة السورية “كوليت خوري”.

انخرط “الخوري” تدريجياً في حقل السياسة ونجح بالوصول إلى البرلمان عام 1914 في زمن الاحتلال العثماني كنائب عن مدينة “دمشق” فيما كان يعرف باسم “مجلس المبعوثان”. 

ورغم صفته الرسمية كنائب إلا أن الوالي العثماني “جمال باشا” المعروف بـ”السفاح” اعتقله عام 1916 ووجه له تهمة التآمر على الدولة العثمانية وسجنه 4 أشهر في قلعة “دمشق” ثم نفي إلى “اسطنبول”، قبل أن يعود إلى “سوريا” مع نهاية الاحتلال العثماني، وأصبح واحداً من أعضاء “المؤتمر السوري الأول” وتولّى خلال عهد “الملك فيصل الأول” بفترة إعلان “المملكة السورية” 1918-1920 وزارة المالية في 3 حكومات متتالية. 

مرحلة الانتداب الفرنسي

بعد دخول قوات الاحتلال الفرنسي إلى “سوريا”، أسّس “الخوري” حزب “الشعب” مع بعض أصدقائه في الكتلة الوطنية مثل المحامي “فوزي الغزي” و”لطفي الحفار” و”جميل مردم بك”، وقد انتخب “عبد الرحمن الشهبندر” رئيساً للحزب و”فارس الخوري” نائباً له، وطالب الحزب بتوحيد الأراضي السورية، وكان ذلك في العام 1925.
ومع بداية الثورة السورية الكبرى دعم “الخوري” ثوار “الغوطة” ووقف إلى جانبهم فقامت السلطات الفرنسية باعتقاله ونقله إلى جزيرة “أرواد” ليبقى فيها 76 يوم.
وبعد خروجه من سجن “أرواد” عُرض عليه أن يكون وزيراً للمعارف فوافق بشرط أن توقف فرنسا حملتها العسكرية في “غوطة دمشق” وتُصدِر عفو عام عن كافة المعتقلين والمبعدين لأسباب سياسية، وتعيد الحياة النيابية للبلاد، مع دستور جديد ووعد بانضمام سوريا إلى الأمم المتحدة.

اقرأ أيضاً:ذكرى إعلان الوحدة مع “مصر” .. دولة عظمى أم لحظة طيش؟

ولكن هذه الوعود لم تُنفّذ، وقامت “فرنسا “بعدها بإعادة اعتقال “الخوري” ورفاقه بسبب دعمهم قادة الثورة السورية، وأمرت بنفيهم إلى مدينة “الحسكة” ومن ثمَّ إلى “لبنان” حيث ظلّوا تحت الإقامة الجبرية حتى عام 1928.
فور خروجه من المعتقل انضم “الخوري” إلى صفوف “الكتلة الوطنية” التي كان قد أسسها صديقه الرئيس “هاشم الأتاسي” عام 1927، والتي سعت إلى توحيد صفوف الحركة الوطنية ومحاربة الاستعمار الفرنسي عبر الطرق السياسية السلمية والقانونية لا العسكرية.

استمرت نضالات السوريين سعياً للجلاء واستمر معها نشاط “الخوري” السياسي فتنقّل بين عضوية البرلمان ثم رئاسته عام 1936، ثم رئاسة الحكومة عام 1943 وقد جمع معها المسؤولية عن وزارة الأوقاف الإسلامية رغم أنه مسيحي واشتهرت حادثة عن ذلك بأن أحد الأعضاء حاول إثارة هذه المفارقة فردَّ عليه نائب “الكتلة الإسلامية” حينها “عبد الحميد طباع” بالقول « إننا نؤمّن الأستاذ فارس الخوري على أوقافنا بأكثر مما نؤمّن أنفسنا»
ترأس “الخوري” الوفد السوري إلى “سان فرانسيسكو” وشارك باسم بلاده بتأسيس منظمة “الأمم المتحدة” عام 1945، وفي العام نفسه قصف الطيران الفرنسي البرلمان السوري فتقدّم “الخوري” بشكوى إلى المنظمة باسم “دمشق” ولعب دوراً في الضغط لعقد جلسة في مجلس الأمن لمناقشة جلاء الفرنسيين. 

عقدت الجلسة مطلع عام 1946 واستبق “الخوري” موعدها للقيام بالجلوس على مقعد المندوب الفرنسي الذي أثير غضبه لهذا التصرف فردَّ عليه “الخوري” بالقول: «جلست على مقعدك 25 دقيقةً، فكدت تقتلني غضبًا وحنقًا، لقد احتملت سوريا سفالة جنودكم 25 سنةً، وآن لها أن تستقل» وبالفعل فقد نالت “سوريا” استقلالها بعد تلك الجلسة وانتهى الاحتلال الفرنسي بحلول نيسان 1946.

اقرأ أيضاً:في مثل هذا اليوم ساهمت سوريا في تأسيس الأمم المتحدة

مرحلة ما بعد الجلاء

اختيرت “سوريا” لعضوية مجلس الأمن عامي 1947-1948 وترأس “الخوري” وفدها ثم أصبح أول عربي يترأس مجلس الأمن عام 1947، ومع انتهاء فترة العضوية السورية عاد “الخوري” إلى “دمشق” وأصبح مجدداً رئيساً للبرلمان.
بعد الانقلاب العسكري الذي قام به “حسني الزعيم” سنة 1949 غاب “الخوري” عن أي منصب داخل “سوريا” واكتفى بترأس الوفد السوري في جلسات الأمم المتحدة فقط.
وبعد عودة الحياة السياسية الديمقراطية إلى البلاد مع وصول الرئيس “هاشم الأتاسي” إلى الحكم عام 1954 شكّل “الخوري” حكومة لم يطل بها البقاء أكثر من 100 يوم وخلفه في تشكيل الحكومة “صبري العسلي”، فيما كان لـ”الخوري” موقفاً لافتاً من الوحدة السورية مع “مصر”. 

حيث يذكر الكاتب البريطاني “باتريك سيل” في كتابه “الصراع على سوريا” أن “الخوري” وصف له الوحدة بأنها تمّت في لحظة طيش وأنه ندم على عدم معارضتها علناً في البداية لأنه كان يظنها الطريقة الوحيدة لصد المدّ الشيوعي عن البلاد وفق ما نقل “سيل” عنه، لكنه حصل خلال عهد الوحدة على جائزة الدولة التقديرية للعلوم الاجتماعية ليكون السوري الوحيد الذي ينالها من غير المصريين. 

وقع الانفصال أواخر أيلول 1961، وبعدها بأشهر قليلة ومع حلول يوم 2 كانون الثاني 1962 فارق “الخوري” الحياة لكنه لم يفارق تاريخ “سوريا” السياسي الحديث وبقي اسمه علامة فارقة في الحياة السياسية السورية وفي تاريخ “سوريا” في المحافل الدولية، شكّل “الخوري” علامة فارقة في الحياة السياسية السورية وكان له تأثيره وفعله الذي لا يغيب عن أذهان السوريين ووجدانهم، الرحمة لروحه في ذكرى وفاته.

اقرأ أيضاً:“المنصور” الجسر الذي حماه فارس الخوري من الإنكليز ودمرته أميركا

المقالات المنشورة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الموقع