طفل حاول ذبح أشقائه.. المرضى النفسيون بين التهميش والإدمان

صورة تعبيرية

صيادلة يروون قصصهم مع مرضى نفسيين لا يذهبون للأطباء…وهذه نصيحتهم

سناك سوري – عمرو مجدح

ساهمت سنوات الحرب السورية والضغوطات الناجمة عنها في زيادة أعداد المصابين بالأمراض النفسية وخلفت أشكالاً مختلفة منه، مع النقص الحاد في أعداد الأطباء النفسيين وارتفاع كلفة المعاينة وحتى نظرة المجتمع المريبة تجاه الدخول إلى العيادة النفسية.

تقول منظمة الصحة العالمية إن «واحداً من كل خمسة أشخاص في مناطق الحرب يعانون من الاكتئاب أو القلق أو اضطرابات ما بعد الصدمة أو الاضطراب ثنائي القطبية أو انفصام في الشخصية، فيما يعاني كثير منهم من أشكال حادة من هذه الأمراض العقلية»، وهذا ليس سراً أو أمراً يحتاج لبيانات ففي كل منطقة وحي وشارع ستمر أمامك شخصيات مصابة بإضطراب نفسي وتظهر بشكل أوضح على المتسوليين والمشردين وعلى الرغم من أن الضحايا الأبرز هم من المقاتلين وأبناء مناطق الصراع المسلح إلا أن الحالات شملت حتى المناطق التي تعتبر آمنة فقد شهدت حالات انتحار متكررة.

تقول “رهف مبارك” التي تعمل كصيدلانية منذ أشهر قليلة في أحد أحياء مدينة “دمشق” إن هذه الفترة البسيطة في المهنة كانت كفيلة أن تريها عن كثب نماذج عن تلك الأزمة خاصة مع تردد بعض المدمنين على الصيدلية.

تضيف لـ”سناك سوري”: «هناك الكثير من الأدوية المصرح بها من وزارة الصحة لكن استعمالها المستمر وبكثرة قد يسبب الإدمان ويلجأ بعض الشباب المصابين بالإكتئاب إلى مثل هذه الأدوية بدون وصفة طبية لعدة أسباب منها إرتفاع كلفة المعاينة».

“مبارك” روت تفاصيل حادثة جرت معها حين أقدم زبون في أحد المرات على «طلب دواء شهير “مسكن للآلام للدرجة المتوسطة والشديدة ” قائلة: قلت له الدواء غير متوفر حالياً وعندما شاهده خلفي صرخ بأعلى صوته “ليكو الدواء شايفو أنا” وبقيت ثابته على موقفي واعتذرت منه لكنه رفض المغادرة وبدأ بالصراخ والضرب الهستيري على واجهة الصيدلية إلى أن اجتمع الناس وأبعدوه، منذ ذلك اليوم بدأنا في إخفاء كافة الأدوية التي قد يدمن عليها البعض في المخازن وتعلمت كيفية التعامل مع مثل هذه الشخصيات بالحيلة»!.

اقرأ أيضاً:كلية الطب تخرج ألف طبيب سنوياً .. يا فرحة ألمانيا فيهم

هناك أنواع آخرى من الإدمان المرتبطة بالنفسية وبطريقة التفكير عند بعض فئات المجتمع، تقول “مبارك”: «هناك سيدة تأتي بشكل مستمر إلى الصيدلية طالبة جهاز كشف الحمل ودواء مرخي للعضلات! اكتشفت فيما بعد أن لديها ستة بنات وأنها تحاول الحصول على طفل ذكر! عندما بدأت تشتري الأقراص بشكل يومي توقفت عن بيعها الدواء لأن أعراض الأدمان بدأت بالظهور عليها وهنا الحالة ليست بسبب الأزمة والصراع إنما ضغط الأهل والمجتمع وكأن الحرب لا تكفي».

المقاتلون ضحايا

يقول الصيدلي في أحد نواحي محافظة “طرطوس” “مالك عبود”: «يأتي الكثير من المرضى بحثاً عن مسكنات ألم عصبية وغالبيتهم من المقاتلين، أما المصابين تحديداً إصابات بتر الأطراف هؤلاء مشكلتنا معهم غياب برنامج سحب الدواء وعدم تلقيهم العناية الكافية نحن في العادة نصف لهم أدوية مسكنة مركزية لأن أدمغتهم لا تتقبل غياب الطرف المبتور وتعطي إشارات ألم بالطرف المفقود إلى أن يعتاد الدماغ على الوضع الجديد وهذا يحتاج إلى وقت طويل وخلال هذا الوقت نعطيه مسكنات يفترض أن تحسب جرعتها ويحسب زمن إعطائها وسحبها التدريجي من الجسم ولكن للأسف كل هذا يهمل ولا يؤخذ بالحسبان من المريض والطبيب!».

“عبود” يرى أنه وحتى لو كان لدينا العدد الكافي من الأطباء النفسيين «تبقى لدينا مشكلة ثقافة العلاج النفسي غير الموجودة فالانقسام العمودي بالمجتمع السوري عميق هناك طبقة تؤمن بالعلاج النفسي وغالبا هي الطبقة النخبوية وطبقة أخرى هي معظم الشعب ومنهم هؤلاء الضحايا لا يؤمنون به، نحن بحاجة لطبيب نفسي يعالج ويقنع المريض، علما أن هناك نوعان من المرضى النوع الأول يستسهل ويختار الدواء الذي يعجبه ويكرره والنوع الآخر يغير الأطباء باستمرار!».

الصيدلي يمارس دور الطبيب النفسي

يأخذ بعض الصيادلة في المناطق الريفية النائية دور الطبيب النفسي، خصوصاً في المناطق التي تستوعب عدداً كبيراً من النازحين، يستمعون إلى مشاكل وهموم المريض ويحاولون إشعاره بأنه ليس لوحده، وفق الصيدلاني “عبود”.

يضيف: «جزء مما يتعلمه الصيدلي في الجامعة يحمل اسم “العناية الصيدلانية” المتضمن الإستماع للمريض واقناعه بأخذ الدواء، وقد لاحظت أن حالات الإكتئاب النفسي في السنوات الأخيرة بدأت بالتحول من الصدمة إلى الإدمان وغالبا على الأدوية والكحول وأخر حالة شاهدتها كان طفل في الثانية عشر من عمره عاد مع أهله من “تركيا” بعد أن ساءت أوضاعهم هناك ويبدو أنه اعتاد على حياة الترف التي كان يعيشها ولم يستطع التأقلم مع واقعه السوري الحالي فقام برمي نفسه من “البرندا” وأصيب في رأسه أخذه أهله لدكتور الأعصاب ولم يراجعوا أي طبيب نفسي واستمر الطفل على المهدئات العصبية والمسكنات إلى أن ساءت حالته وأصبح أكثر عنفاً ويمارس العدوانية على والدته وأخوته عند غياب الوالد تحديدا وحاول في إحدى المرات ذبح أشقائه».

كثيرة هي الحكايا والقصص التي يتداولها العامة وتنشرها الجرائد عن حالات وأناس يستيقظون مذعورين من نومهم ليلاً ظناً منهم أن عناصر “داعش” و”النصرة” يلاحقونهم، وطفلة توقفت عن الكلام وانطوت منذ شاهدت والدها يُقتل أمامها ورجل تحاصره أوجه زوجته وأبنائه الثلاثة الذين قتلهم حتى لا يتم أسرهم على يد المتطرفين، والعديد من القصص التي خلفتها الحرب وأصبحت كوابيس تسكن العقول والنفوس وتأبى المغادرة أصحابها لم يجدوا من يرشدهم إلى الطريق السليم للعلاج أو لم تفتح لهم أبواب العلاج ويتساءل البعض لماذا لا تشرف وزارة الصحة على فتح مراكز مجانية للعلاج النفسي؟ تزامنا مع حملة توعوية عن أهمية دور الطب النفسي، تقول منظمة الصحة العالمية إن «”سوريا” تحتاج إلى 2000 طبيب، في حد أدنى، لتغطية احتياجات شعبها النفسية».
إلا أن حاجة هؤلاء ليست للصيدلي إنهم يحتاجون الطبيب النفسي وليس غيره، وعليهم التوجه له وليس للصيدلي، فالخجل من مراجعة الطبيب قد تقود المريض/ة إلى الهلاك، بينما مراجعة طبيب مختص قد تعيد له حياته التي يريدها.

اقرأ أيضاً:3 أطباء نفسيين لكل مليون سوري “يعني بعالجونا بالجملة مو بالمفرق”!!؟

المقالات المنشورة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الموقع