سوريا والعمق المتوسطي – حسان يونس

التجارة في حوض المتوسط- صورة تعبيرية

هناك حبل سري يربط سوريا بالحوض المتوسطي

سناك سوري- حسان يونس

وقعت بين يدي بطاقة تعريفية لمدينة طرطوس من إعداد مجلس مدينة طرطوس، تتضمن في أحد جوانبها عرضا للواقع التاريخي للمدينة القديمة في طرطوس، حيث يظهر هذا العرض أن طرطوس القديمة ازدهرت تاريخيا في العهد الفينيقي واليوناني السلوقي، وفي العهد الروماني، وفي العهد الصليبي، وعادت إلى الحياة في العهد الفرنسي، في المقابل انحسر ازدهارها وانكمشت المدينة على ذاتها، بعدما فتحها الظاهر بيبرس 1261م وفي العهدين المملوكي والعثماني اللاحقين له.

بعيداً عن دقة المعلومات في هذا العرض، هناك حبل سري يربط سوريا بالحوض المتوسطي، وهناك تجانس حضاري، وخيط متصل من الأساطير والإرث المشترك بين المدن المصطفة على شواطئ المتوسط، وهو إرث يتمثل أكثر ما يتمثل في شجرة الزيتون، وانعكاسها في الأساطير السورية واليونانية برموز قدسية، تتصل بنموّها وعطائها الدائم، وكذلك بخضرتها على مدار الفصول، ما جعلها تنال مكانة خاصة في حضارات المتوسّط، التي اعتبرتها دلالة خصب وتجدد وأبدية.

اقرأ أيضاً: محطات من تدمير وإحراق المدن السورية_ حسان يونس

إن الظروف المناخية المشتركة، وتعاقب إمبراطوريات مختلفة، وحّدت الحوض الجغرافي المتوسطي، وتيارات التبادل الثقافي والتجاري والنزاع المتواصل. كل ذلك أثمر فيما يسمى “الهوية المتوسطية”، التي تتفرع في النظام الغذائي المتوسطي الشهير، أو حمية البحر الأبيض المتوسط، وفي النظام الاجتماعي المميّز والمشترك للمدن المتوسطية والمختلف عن مثيلاتها في الشمال الأوروبي وفي الجنوب العربي.

إن الهوية المتوسطية بدأت رحلة نموها انطلاقاً من الزمن الفينيقي، إذ يرى المؤرخ الفرنسي “فكتور بيرار” في دراسته لأسطورة “الأوديسة للشاعر الإغريقي هوميرس”، في كتابه المعنون “الفينيقيون والأوديسة”، أن أسماء مدن وجزر وجبال البحر المتوسط، والأطلسي الواردة في الأسطورة، والتي ليس لها أصل لاتيني أو يوناني هي من أصل فينيقي مثل، سيلاميس (سلام)، وساموس (شمس)، وقدميا (قدموس)، وقمرينا، وأطلس وقادش (قدس)، ويضيف المؤرخ الفرنسي أن جميع أسماء الأنسجة والمشروبات المخمرة والعصافير والأسماك والأسلحة الواردة في “الأوديسة”، هي من أصل فينيقي.

وعلى نسق “الأوديسة”، تؤكد أسطورة “أوروبا”، أميرة صور، وقصة خطفها من قبل الإله اليوناني “زيوس” وانتشار إخوتها قدموس وكيليكيس للبحث عنها، تؤكد ما ذهب إليه “بيرار” من التأثير الفينيقي العميق في حوض المتوسط، فالمؤرخون الإغريق والرومان يتفقون أن الأمير الصوري قدموس هو من بنى مدن “قدميا” و”طيبة” في إقليم “بويثيا” في بلاد الإغريق، وهو من نقل إليهم الحروف الأبجدية الفينيقية، وأما كيلكيس فاستوطن في كيلكيا في آسيا الصغرى، وأعطاها اسمه، كما أعطاها الطابع الفينيقي، كانت “أوروبا” رمزا للتوسع الفينيقي في بلاد الإغريق، وليست مجرد أميرة اسطورية مختطفة، وهو توسّع انتشر في الألف الأول والثاني ق.م على كامل الحوض المتوسطي وصولاً إلى قرطاجة (القرية الحديثة) في تونس وغاديرا (قادش) على الأطلسي في المغرب العربي، ووصولا الى المستعمرات الفينيقية في ايبيريا (اسبانيا) التي أنجبت ذات يوم القائد العظيم “هانيبعل”.

اقرأ أيضاً: الجزيرة السورية واستعادة الحياة من براثن العدم- حسان يونس

انطلاقا من هذا التأثير الفينيقي العميق، شهد حوض البحر الأبيض المتوسط تبادلات ثقافية واقتصادية وسياسية عديدة عبر تاريخه، ولم تكن الإمبراطورية الرومانية، لتسود في العالم القديم عدة قرون، لو لم تكتشف وتنتزع السر الفينيقي، المتمثل في السيطرة على طرق الملاحة البحرية في المتوسط، والطرق البرية المتكاملة معها. وهو سر، عاد وانتزعه الفرنجة (الصليبيون) في القرن الميلادي الثاني عشر والثالث عشر، ما فتح الباب أمام أوروبا كي تدخل عصر الأنوار في قرون لاحقة، وكي تحتضن المنظومة المصرفية التي تحكم العالم اليوم، والتي بدأتها ذات يوم “جماعات فرسان الهيكل” في القرن الثاني عشر الميلادي على الساحل السوري من غلال أشجار الزيتون وسواها، ومن تحويل المخزون الفائض من تلك الغلال إلى قوة مالية، جرى استثمارها في تمويل الحروب الصليبية، ما سمح للنظام المصرفي الوليد أن يترسّخ، ويكمل رحلته في أوروبا بعد خروج الصليبين من المنطقة، وفق ما توضح الدكتورة “نبيلة إبراهيم مقامي”، في كتابها “فرق الرهبان الفرسان في بلاد الشام في القرنين الثاني عشر والثالث عشر”.

إن ما بدا ذات يوم تكاملا بين شطان المتوسط بإدارة فينيقية، انقلب نزاعاً بين الفينيقيين والرومان على التجارة المتوسطية، واستمر في الحروب الإفرنجية والأوروبية الاستعمارية، وانتهى اليوم إلى مراكب تقل اللاجئين، من شمال إفريقيا والشرق الأوسط إلى سواحل أوروبا، وإلى مجموعة مشاريع سياسية وثقافية يطرحها الأوروبيون لتأطير حوض البحر الأبيض المتوسط الذي لا يحتمل إلا التكامل أو التنازع.

اقرأ أيضاً: نزاعات داخلية.. أحداث من التاريخ تحاكي الواقع_ حسان يونس

المقالات المنشورة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الموقع