سوريا التاريخية.. أرمينيا مرت من هنا حليفة معاوية وإمارة زنوبيا

الأرمن
الأرمن في سوريا بعد العام 1915

لم تكن موجة نزوح الأرمن بدايات القرن الماضي الأولى إلى سوريا

سناك سوري – حسان يونس

تبدو العلاقة السورية الأرمنية حديثة العهد وربما يعتقد البعض أنها تعود لما بعد 2011 بسبب الموقف السوري من تركيا، وربما يعتقد البعض أنها تعود إلى بدايات القرن الماضي ويربطها بالموقف من المجازر التي ارتكبها العثمانيون بحق الأرمن أيضاً، إلا أنها فعلياً تعود لمئات السنين التي خلت وسجلت محطات مختلفة “تحالف،نزاع، حياد”، وفي هذه المادة نستعرض أبرز هذه المحطات.

خلال حكم معاوية بن أبي سفيان لـ دمشق تحالف الأرمن معه ضد البيزنطيين وإمبراطورهم “هيروكوكيس”.، وحقق الطرفان انتصارا مشتركا على بيزنطة (التي تعتبر تركيا وريثتها وفق قواعد الجغرافية السياسية، وبعيدا عن التحولات الدينية)، وتكرّس هذا الانتصار بزيارة الحاكم الأرمني الأمير “تيودور رشدوني” مدينة دمشق عام 652م، وتوقيع معاهدة مع الحاكم الأموي معاوية بن أبي سفيان، وفقا لكتاب “أرمن دمشق” لمؤلفه الدكتور “سركيس بورنوزسيان” الصادر في دمشق 2016م.

وقبل ذلك، دخل الملك الأرمني “ديكران الثاني، 59- 55 ق.م” إلى سوريا عام 82 ق.م، مستغلا النزاع الداخلي بين الأُمراء السلوقيين على العرش، فسيطر على شمال سوريا أولاً، ثم توجه إلى صيدا وصور (فينيقيا)، حتى أضحت سوريا بكاملها خاضعة لسيطرة الإمبراطورية الأرمينية. واستمر حكم الملك “ديكران الثاني” لسوريا حوالي 14 عام، حتى 67م، عندما دخل القائد الروماني “بومبيوس” إلى أرمينيا، وأنهى حكم الإمبراطورية الأرمنية في سوريا، التي عادت إلى حكم السلوقيين مؤقتا، قبل أن يزيحهم الرومان عن المسرح.

اقرأ أيضاً:شعوب البحر والعثمانيين الجدد- حسان يونس

“ديكران الثاني” لم يكن آخر حاكم أرمني يدخل دمشق، ففي 2 شباط 1260م، دخل جيش هولاكو مدينة دمشق دون قتال، بعدما هرب الأمير الأيوبي الناصر يوسف، وقادة جيشه من المدينة، وتقدم الجيش المغولي في شوارع دمشق ثلاث أمراء كان أحدهم الملك “هيثوم” ملك أرمينيا، لكنهم مرّوا بسلام في شوارع دمشق دون انتهاك حرمات المدينة.

وفي عهد زنوبيا ضمت جيوش تدمر فرقة مؤلفة من الجنود الأرمن، وكان ابنها حاكما على جنوب أرمينيا، وكان للتجار الأرمن شأن مهم في أسواق تدمر وخطوط التجارة الدولية التي تتقاطع فيها، وعند انقلاب الأحوال بين تدمر وروما، وانسحاب الجيوش التدمرية من مصر ومن آسيا الصغرى 271م، ومن ثم هزيمتها قرب حمص 272م، استغاثت زنوبيا بالأرمن، من ضمن حلفاء آخرين، لكن طغيان روما وتخوّف الأرمن من الانتقام الروماني كان له رأي آخر.

ولا بد من الإشارة هنا إلى أن علاقة التجار الأرمن بتدمر وخطوطها التجارية، تعكس إلى حد بعيد علاقتهم اللاحقة بحلب وخطوطها التجارية، التي ورثت تدمر ودورها كمركز تجاري لطريق الحرير، حتى منتصف القرن الماضي، عندما أوقفت اتفاقية سايكس – بيكو تدفق الثروة والثقافة، الذي استمر آلاف السنين بين أوصال هذه المنطقة والعالم.

اقرأ أيضاً:نزاعات داخلية.. أحداث من التاريخ تحاكي الواقع _ حسان يونس

إن نزوح وهجرة الأرمن إلى منطقتنا، لم تبدأ بعد المذابح الشهيرة التي ارتكبتها تركيا العثمانية “1915-1916م”، فهناك عدة موجات نزوح سابقة شبيهة، منها موجات النزوح التي تسببت بها غزوات السلاجقة (الأتراك)، في أرمينيا، خاصة بعد معركة ملاذ كرد 1071م، والتي هاجر بنتيجتها حشد كبير من الأرمن إلى جبال طوروس وإلى جبال اللكام، ووادي الفرات الأوسط و حلب، وبنتيجة هذا النزوح دخل العنصر الأرمني بقوة في نسيج الدولة الفاطمية والمملوكية اللاحقة لها.

ويرى بعض المؤرخين مثل “جاستون فييت” أن “شجرة الدر” زوجة الملك الصالح هي من أصل أرمني، وأصبحت ملكة عام 1250م بعد مقتل ابنها، وخلال الدولة الفاطمية برز اسم القائد الأرمني بدر الجمالي، الذي تولى الوزارة بين “1070-1094م”، وحمل لقب أمير الجيوش وسيف الإسلام، وخلفه ابنه الأفضل شاهنشاه “1094-1121م”، ومن الجدير ذكره أن “الأفضل الجمالي” كان صاحب الدور الأساس في انشقاق الدولة الفاطمية إلى الدولة النزارية في إيران وسورية، والدولة المستعلية في مصر واليمن، وهو الانشقاق الذي سيحمل لاحقا بذور تلاشي هذه الدولة على يد صلاح الدين 1171م، وفقا للمحقق والمؤرخ عارف تامر.

وبعد سقوط مملكة (أرمينيا الصغرى) في كليكيا بيد المماليك عام 1375م عاد الأرمن للنزوح بشكل واسع إلى سورية ومصر، ثم نزحوا في موجة جديدة بعد المذابح الشهيرة 1915م.
في كل حراكهم السياسي والاجتماعي والاقتصادي نحو منطقتنا لم يكن الأرمن غزاة بل كانوا نازحين أو تجار أو “عابرين بسلام”، ليت السوريين الذي يزجهم العثمانيون الجدد كالحطب في حرب “أرتساخ” (وهي الاسم الأرمني لإقليم قره باخ، وتعني إله الشمس) يعلمون أن اللاجئين الأرمن، الذي غادروا حلب بعد عام 2011 إلى أرمينيا أعادوا بناء مدينة باسم “حلب الجديدة” في أرمينيا، لتكون حبلا سرياً يصلهم بسورية.

اقرأ أيضاً: النبيذ عبر تاريخ سورية _حسان يونس

المقالات المنشورة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الموقع