رغم وجود قانون لإحداثها.. لا وجود لشرطة الأحداث في سوريا

أطفال مشردين في الشارع-سناك سوري

الجزء الأول: سناك سوري ينشر لكم سلسلة بعنوان “لماذا نحن بحاجة لشرطة خاصة بالأطفال في سوريا؟”

سناك سوري-رامي فيتالي

بدايةً، في “سوريا” قانون خاص بالأحداث (الأطفال) الجانحين من سنة 1953، وتم تحديثه في عام 1974 ثم في عام 1979 بمشاركة عدد من الخبراء المحليين والعالميين، وأخر تعديل كان سنة 2003، إضافة لقوانين التعليم الإلزامي ومنع تشغيل الأطفال، ولـ”سوريا”، السبق في ذلك على العديد من الدول العربية الأخرى، فمثلاً في “قطر” صدر القانون الخاص بالأحداث لأول مرة سنة 1994.

القانون السوري بحد ذاته قانون جيّد وإن كان ومثل أي نص قانوني آخر يستدعي المراجعة والتحديث كل فترة، نتيجة تزايد الخبرة الإجرائية والتغيرات العامة. وفي سوريا أيضاً قضاء خاص بالأطفال الجانحين، بمعنى أنّه يوجد قضاة مختصون بقضايا الأحداث ويحكمون وفق قانون الأحداث. كذلك هناك مكان خاص وأسلوب خاص لتوقيف الأحداث منفصل عن السجن المخصص للبالغين ومختلف عنه إجرائياً، وهو إصلاحية الأحداث أو مركز ملاحظة الأحداث ويتبع لوزارة الشؤون الاجتماعية وتشارك وزارة الداخلية في ضبط أمنه.

إذاً سلسلة العملية العدلية الخاصة بالأطفال في سوريا شبه مكتملة، تنقصها حلقة واحدة فقط ومهمة جداً، وهي إجراءات التوقيف والتحقيق. فهي لاتزال تمارس بنفس طريقة ممارستها مع البالغين ومن قبل نفس عناصر الشرطة وفي أماكن مشتركة مع الكبار. ويجدر بالذكر أن هذا يعدّ تخلّفاً قانونياً في البلاد التي طالما كانت سباقة في قوانين الأحداث عن البلدان العربية، فقد تمّ استحداث شرطة خاصّة بالأحداث وبنص قانوني واضح في العديد منها، مثلاً في الأردن تم استحداث شرطة خاصة بالأحداث سنة 2011.

اقرأ أيضاً: دعوات لاستحداث شرطة خاصة بالأحداث في سوريا

مثير للاستغراب

المثير للاستغراب أن قانون الأحداث في سوريا، ينص بالفعل على استحداث شرطة خاصة بالأحداث، من خلال المادة 57 من القانون رقم 18 الصادر سنة 1974 والتي تقول: «تختص شرطة للأحداث في كل محافظة تتولى النظر في كل ما من شأنه حماية الأحداث، تحدَّد مهام شرطة الأحداث وشروط العاملين فيها والقواعد التي يعملون بموجبها بقرار من وزير الداخلية بعد أخذ رأي كل من وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل ووزارة العدل».

وهذا بناء على اقتراح لجنة قانونية تم تشكيلها سنة 1963 شارك فيها خبير من الأمم المتحدة، رأت أنه يجب «تخصيص شرطة خاصة للأحداث تتولى رقابة الأحداث وحمايتهم من التعرض إلى الجنوح، وارتكاب الأفعال المخالفة للقوانين وذلك على غرار ما هو قائم في معظم الدول الأجنبية والعربية أيضاً، من بين رجال جهاز الشرطة الحالي القائم على العمل. على أن يجري تدريب الجهاز المختص للأحداث على المهمة التي ستسند إليه».

للأسف هذ القانون غير مطبق حالياً، وكل ما هو قائم بخصوص التعامل مع الأحداث من قبل الشرطة والجهات الأمنية أنّه يوجد قسم خاص بالأحداث ضمن إدارة الأمن الجنائي، وهذا الإجراء لوحده لا يمكن اعتباره تطبيقاً للنص القانوني أعلاه، لا حرفاً ولا روحاً، ومع التنويه بأن وزارة الداخلية ليست المشرف الوحيد على الضابطات العدلية في سوريا، إذ توجد عدة جهات أمنية تتبع لها ضابطات عدلية، وكلّها تستقبل الأطفال الأحداث وتوقفهم وتحقق معهم، وبنفس الطرق المتّبعة مع البالغين للأسف.

منطق إنساني

لنتحدث الآن قليلاً بالمنطق الإنساني العام وبعيداً عن الأمور القانونية الرّسمية حتى نضع أساساً واضحاً لكلامنا، لماذا تجب معاملة الأطفال بشكل مختلف عن الكبار من الناحية القانونية الجنائية؟ ولماذا توجد في قوانين معظم دول العالم نصوص خاصّة بالتعامل مع الأطفال الجانحين؟

اقرأ أيضاً: اللاذقية: إصلاحية الأحداث.. ضرب و تعنيف ولعب شدة.. أطفال يروون قصصهم

يولد الطفل البشري وهو في حاجة ماسّة لأهل يرعونه ويحمونه ويوجهونه، وتستمر هذه الحاجة التي يشارك في تحقيقها المجتمع إلى جانب الأهل عادةً، لسنوات عديدة، ويعتبر عمر البلوغ الذي يصبح فيه الشخص مسؤولاً بشكل كامل عن حياته ونتيجة أفعاله في معظم بلاد العالم 18 سنة. إضافةً للحاجة إلى الرعاية والحماية والتوجيه، يعتبر الأطفال الصغار وحتى المراهقين، أقل وعياً من الكبار وأقل قدرة على اتخاذ القرار الصحيح، وهذا يتم ربطه بعدم اكتمال نمو أجسادهم وعقولهم. قلّة الوعي تعني قلّة المسؤولية، فلا مسؤولية تقع على من هو دون وعي ودون قدرة على التمييز بين الفعل الصحيح والخاطئ، وفق أي معيارٍ كان.

أحياناً لسبب أو لآخر، لا يكون الأهل قادرين على تأمين الرعاية المناسبة لأطفالهم، وهنا يأتي دور المجتمع الذي يعتبر مشاركاً في تنشئة الأطفال وتربيتهم ورعايتهم، وهذا قائم في مختلف المجتمعات على تنوعها الجغرافي، وعبر التاريخ.

من ناحية ثانية، التعامل والكلام مع الأطفال يجدر به أن يكون مختلفاً عن التعامل مع الكبار. والتحقيق الجنائي مع الأطفال يمكن أن يتم بسهولة أكبر بكثير. يمكن مثلاً بمساءلة ذكية، ولا تتضمن الخداع والكذب حتّى، الإيقاع بالطفل بالكلام وجعله يعترف بالحقيقة، خصوصاً عندما يتم إفهامه أنّه تبيّن ارتكابه لجرم، كل ما سيتعرّض له هو التوقيف في الإصلاحية التي تكفل له الرعاية والحماية والتعليم، وبالتالي مستوى عناية أكبر مما يتمتع به خارجها في أغلب الأحيان نظراً لأنّ أبرز أسباب الجنوح هو فقدان الرعاية الأسرية والاجتماعية.

شخصياً لست مختصاً بالقانون، ولا أعمل رسمياً في عمل له علاقة مباشرة مع الأطفال الجانحين، لكن كانت لدي خبرة في التعامل مع الكثير منهم نتيجة عملي التطوعي من خلال التعاون مع عدد من الجمعيات الخيرية العاملة في اللاذقية، وزيارة سجن الأحداث في المدينة ومتابعة أمور عدد كبير من الأطفال الجانحين الموقوفين في الإصلاحية، أثناء التوقيف وبعده.

اقرأ أيضاً: اللاذقية: أطفال تعرضوا للضرب في قسم الشرطة.. الأحداث ظلم في المجتمع والعقاب

المقالات المنشورة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الموقع