الرئيسيةرأي وتحليلشباب ومجتمع

رغم التقدم.. المجتمع لا يتقبل أجساد النساء كما هي

حتى القانون يدعم الحكم القيمي بتسمية العذر المحل للقتل بالدافع الشريف

سناك سوري – لينا ديوب

قبل سنوات رفض رئيس تحرير الصحيفة التي أعمل بها، مقالاً كتبته يتحدث عن الصحة الجنسية للمرأة دون أن يقرأه، لأنني بعد أن ناقشته وشرحت ما كتبت وافق شرط شطب الصحة الجنسية من العنوان.

كصحفية مهتمة بالكتابة عن النساء والعدالة الجندرية، قلت في نفسي هذا موقف لا يعكس موقف تعاون الحكومة والإعلام لنشر التوعية، حول صحة النساء بشكل عام والجنسية بشكل خاص، وإنما سطوة النظرة النمطية للمجتمع والموقف القيمي من حياة النساء.

نعلـم أن الموقـف مـن الحيـاة الجنسـية للمـرأة لم يزل يؤثر على مشـاركتها فـي الإدارة والحيـاة السياسـية والعامة، وقابليـة انتخابها، بحجة دورها الإنجابي المتمثل بالحمل والولادة والإرضاع ولاحقاً رعاية الأسرة.

مقالات ذات صلة

يجب ألا تضع ساقاً فوق ساق

إن الأعـراف الاجتماعية التـي تملي أدوار المرأة ومسؤولياتها المنزلية، وتحصر دورها في نطاق الإنجاب فقط، تفرض عليها سلوكيات محددة تقول الدكتورة “نوال السعداوي” في كتابها “المرأة والجنس”:« إن جزءاً من تربية الفتيات (في مصر، لكن مصر ليست استثناء من هذه الناحية) يركز على ضرورة أن تنتبه الفتاة إلى كيفية جلوسها، بحيث لا تنفرج الساقان، مثلاً، بشكل يجعل ثيابها الداخلية ظاهرة لمن يجلس في مقابلها، ويجب ألا تضع ساقاً على ساق، لأن هذا يخدش الصورة النمطية للفتاة الخجولة».

اقرأ أيضاً: تغيير الواقع النسوي وتعديل القوانين أهداف تحملها مرشحات إلى مجلس الشعب

اهتمام بالجانب النفسي العاطفي والإنساني المتصل بهذا الجهاز

لكن بناء المجتمع لحياة النساء والفتيات وفقاً لجهازهن الجنسي، لا يرافقه اهتمام بالجانب النفسي العاطفي والإنساني المتصل بهذا الجهاز، وإن كانت الأعراف لا تعطي أولوية لتطلعات النساء بالوصول إلى مشاركة فعالة في إنجاز العلم والحياة العامة، فهي أيضاً تدينها في حال أفصحت عن رغبات خاصة بها بما يخص حياتها الجنسية، ويطلق المجتمع أحكاماً قيمية على اختيارات المرأة برفض الزواج أو اختيار قرار تأخر الإنجاب وغيره مما يخص خياراتها، أي أن علاقة المرأة وجسدها تبقى أسيرة المجتمع.

المجتمع لا يدين الرجل بمقدار ما يدين المرأة، في حال كان له علاقة جنسية خارج الزواج، مثلاً لم نسمع من قبل بجريمة شرف ارتكبتها أم بحق ابنها، أو ارتكبها أب بحق ابنه، مقابل انتشار جرائم الشرف ضد النساء التي تثبت التحقيقات أنها كانت في غالبيتها للحصول على الإرث وغيره، لكنها تعتمد على مخاطبة الموقف القيمي من المرأة بأنها مخلة بقيم المجتمع، حتى القانون كان يدعم هذا الحكم القيمي بتسمية العذر المحل للقتل بالدافع الشريف.

اقرأ أيضاً: التربية الجنسية .. لماذا لا نخبر صغارنا عن أجسادهم؟ – لينا ديوب

المجتمع لا يدين الرجل بمقدار ما يدين المرأة، في حال كان له علاقة جنسية خارج الزواج، مثلاً لم نسمع من قبل بجريمة شرف ارتكبتها أم بحق ابنها، أو ارتكبها أب بحق ابنه، مقابل انتشار جرائم الشرف ضد النساء

المجتمع لا يزال غير متقبل لأجساد النساء كما هي

وإذ لا يمكننا إنكار التقدم في طريق حصول النساء على الحق بالمشاركة وقبول المجتمع بحضورهن في مختلف المجالات، إلا أن ذلك ظل مترافقاً مع الأحكام المرتبطة بجنسهن، فلا يزال العنف الجنسي في الحياة الزوجية، والتحرش في مكان العمل والفضاء العام، عاملاً ضاغطاً على النساء والفتيات، لأن المجتمع لم يزل لا يتقبل أجساد النساء كما هي، ويربطها بالإثارة، أي إثارة الرجال، فيبني عليها أحكام تجاوز قيم المجتمع.

اليوم تظهر التعليقات على المقالات الصحفية في مواقع التواصل الاجتماعي، من قبل رجال ونساء بعضهم وبعضهن معروفون لنا بأنهم على درجة علمية ومرتبة وظيفية لها علاقة بالشأن العام ونهضة المجتمع، عدم تقبل جسد المرأة وعدم تقبل حياتها الجنسية، لدرجة اتهام الكاتب وهيئة التحرير بزعزعة القيم وتهديم المجتمع.

المقال أو البحث الذي يقدم رأي لفتيات أو نساء بالجانب المتعلق بحياتهن الجنسية، حتى لو لم تكن رغباتهن، وإنما شهادات عن التحرش، أو العنف، قبول أو رفض الزواج، لا يحظى بحالة المراقب الذي لا يطلق الأحكام إلا فيما ندر، ويهمل لصالح أحكام قيمية لا تفيد في الكشف عن الظواهر السلبية بالمجتمع المبنية على النظرة النمطية لجسد المرأة.

لو عدت إلى المرحلة التي تسبق الزواج وعلاقة الفتاة بجسدها المحاطة بالتحذيرات: عيب، حرام، يتداخل مع تقدمه المنصات الإعلامية وقد يكون تجارياً، وهذا ما يحرمها من إمكانية الحصول على وعي جنسي، ولو على مستوى التعرف الحميم على جسدها الخاص، في نفس الوقت عليها الزواج بين عشية وضحاها، أن تقتحم عالم الجنس ويصبح حينها واجباً مقدساً، لأنه مرتبط بإسعاد حلالها زوجها.

سيعلق الكثيرون والكثيرات عن زواج الصغيرات: (أي بهالزمن بيعرفو كلشي) قلة من يتحدث عن قفز المشاعر والجسد من وعي إلى وعي نقيض.

اقرأ أيضاً: دوائر العنف تتقاطع لقتل النساء.. نحتاج قانوناً صريحاً يجرّم العنف

المقالات المنشورة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الموقع

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى