“دروس المتابعة” تقضي على عملية التعلم.. حشو صباحي ومسائي وتلقين ببغائي

الأهل والمدرسة مقصران.. ودروس المتابعة تكرس المشكلة.

سناك سوري_ رهان حبيب

تنظر “عفاف” وهي مدرسة متقاعدة، بكثير من الحسرة والحزن في آن معاً إلى الطلاب وهم يجتمعون يومياً بعد الغداء أمام منزلها ويتجهون إلى معهد تعليمي مجاور.

تقول سألتهم: «منذ ساعة رجعتم من المدرسة وين العزم، يجيب أحدهم نذهب لحل الوظائف لأعرف أن الوجهة معهد المتابعة يعني الاسم الحديث للدروس الخصوصية».
ما أثارته المدرسة يشير إلى دروس المتابعة حسب التسمية التي درجت منذ عدة أعوام تزامنا مع عملية تغيير المناهج للمرحلة الابتدائية، كظاهرة فرضت حضورها على الأهل والطلاب، من أهم نتائجها زيادة عدد ما سمي أيضا “معاهد المتابعة” التي تجاوز عددها في مدينة “السويداء” أربعين مركزاً فقط دون الريف، وهنا حدث ولا حرج فقد يتحول المعهد إلى مُدرسةٍ واحدة تستقبل عدد من الطلاب، تتابع وظائفهم لساعتين أو ثلاث، وقد يتحول منزل المُدرس لمعهد يستقبلهم أيضا بذات الطريقة، لنجد أن النسبة الأكبر من طلاب المرحلة الابتدائية يتبعون هذه الدروس التي لو نستبين بعد مدى جدواها وهل هي تعلّم الطفل فعلاً.

ظاهرة تجتاح الريف والمدينة

تنتشر هذه الظاهرة في المدينة والريف على حد سواء، وهي باتت تعرف بالمدرسة مابعد المدرسة، وبحسب إحصائية أجريناها في عينة عشوائية من مدارس الريف والمدينة فقد توصلنا إلى نتيجة مفادها أن قرابة 71% من عينة البحث يتلقون دروس متابعة بعد المدرسة في الريف، منهم من يدرس لدى مدرس الصف نفسه ومنهم من يتابع لدى طلاب جامعة يدرسون ومنهم من يذهب إلى أستاذ متابعة متخصص.

أما في المدينة فإن النسبة لدى عينة البحث ترتفع إلى 74% وقد شملت أكثر 100 طالب من المرحلة الابتدائية، وكان لافتاً أن نصفهم يتابعون مع مدرس الصف نفسه، والباقي بين مدرس متابعة وطلاب جامعة، و40% منهم يتابعون دروس في كل المواد!.

لماذا دروس المتابعة خيار وحيد للأهل؟

الأهالي يجدون مبررات لهذه الدروس منها أن المناهج صعبة، وأنها حل لمعاناتهم اليومية مع الوظائف، ومنهم من اعتبر أن كثافة الوظائف سببها، وبالتالي فلا مفر منها حتى لو كانت مكلفة وتشغل التلميذ طوال اليوم وتصادر مساحة اللعب خاصته.

تقول “أم كريم” لـ سناك سوري إنها تحمل شهادة ثانوية ولا أستطيع مساعدة ابني لذلك أرسله إلى معهد قريب يومياً من الأحد إلى الخميس، ونظراً لتكلفة الدروس بحثت عن عمل مسائي أتدبر من خلاله تكاليفها، وهذا يلهيها عن رؤية ولدها والتقرب منه.

“كريم” يمضي جل يومه في التعليم وحدها ساعة الغداء خلال النهار يستريح خلالها، ومن ثم يسمح له باللعب ساعة واحدة قبل النوم، رغم أنه مازال في الصف الثالث. فهل يحتاج طالب الصف الثالث كل هذا الوقت؟! سؤال نجيب عليه لاحقاً.

دروس المدرسة ونظراً لكثافتها تعطى بسرعة بحسب مايقول شريحة واسعة من طلاب السويداء الذين استطلعنا رأيهم، “فداء” في الصف الثاني يقول إنه لا يفهم الدرس على معلمته التي لا تعيده له نهائياً حتى ولو طلب ذلك، بينما تقول والدته إنه: «يفهم في درس المتابعة ويأخذ حصته من الوقت»، علماً نسبة كبيرة من مدرسي المتابعة هم مدرسوا التلاميذ في المدرسة.

يرفض موجهون تربويون تحميل المسؤولية للمناهج، ويرون أن الأهالي يلجؤون لهذه الدروس بسب غيرتهم على أبنائهم وسعيهم لكي يحصلوا على العلامة التامة، إضافة لكون بعض الأهالي ليس لديهم معرفة بآلية الاختبار ضمن المناهج المتطورة يقول الموجه التربوي “عادل عليوي” لـ سناك سوري: «وضحت وزارة التربية عملية توزيع الدرجات على أعمال الفصل والامتحانات للصفوف الانتقالية ومادة المشروعات وملفات الإنجاز و20 بالمئة مذاكرة وفق قرار وزاري حدد توزيع الدرجات وفق الآتي 60 بالمئة لدرجة أعمال الطالب و40 بالمئة لدرجة الامتحان لتقسم درجة الأعمال إلى الشفهي وأوراق عمل ونشاطات ومبادرات والقرار واضح ويطبق، لكن قد تكون كثافة أعداد الطلاب في الشعب الصفية وعدم إخضاع كافة المعلمين لدورات المناهج خلف تطور الظاهرة وأتوقع أن الأهل هم الحلقة الأهم في هذه العملية».

معلم/ة المتابعة لمست إهمال الأهل…

ترى “سميرة” وهي مدرسة متابعة يزورها 4 طلاب يومياً أن لدى الأهالي مشكلة كبيرة مع المناهج لكنها ليست السبب الوحيد، وتقول في حديثها مع سناك سوري: «أغلب الأهالي ليس لديهم المقدرة على متابعة الأبناء، لكن المشكلة الأكبر في قلة استعداد الأهل و ضعف رغبتهم في تقديم الاهتمام  الشخصي اللازم لمتابعة الطالب»، وترجع المشكلة إلى أن نسبة جيدة من الآباء والأمهات لديهم معدل جيد من التعليم، لكن للأسف رغبتهم بمساعدة الأبناء أقل من مستوى المتابعة للحصول على علامة جيدة وهي الأهم من وجهة نظرهم وتقول: «بالمختصر الأهل طلبوا الراحة من تعليم الطفل تبعاً لصعوبة المهمة وأستاذ المتابعة يقوم بها»

حل الوظائف تحقيق لغاية الأهل والطالب ..

المعلمة التي تعتبر حالة استثنائية من وجهة نظر كثيرين تؤكد أنها لا تهتم لحل الوظيفة دون فهم الطفل للدرس واكتساب المعرفة، لكن هل كل المعاهد تلتزم بالفكرة.
فعندما يعلل الطلاب سبب اتباعهم للدروس أنهم بحاجة لمن يساعدهم على حل الوظائف يتبادر لأذهاننا سؤال كيف يقوم معلم أو معلمة المتابعة بحل الوظائف؟ هل يرشد الطفل أم يطلب منه قراءة الدرس أم يعيد المدرس شرح الدرس؟ وإن فكرنا أنه يعيد شرح الدرس ففي هذه الحالة هو بحاجة إلى وقت يضاهي وقت الحصص الست كل يوم لكن سؤال الطلاب حمل إجابات أكثر قرباً من الواقع، ويبدو أنه السائد.
“ضياء” طالب الصف الثاني أخبرنا بالتفصيل عن طريقة متابعة أحد المدرسين وهو معلمه في المدرسة صباحاً ومدرسه مساء في المعهد، وقال:«المعلم يكتب الحل على السبورة ويطلب منه وست طلاب معه نقلها إلى الدفتر وهذا ما يقاس على باقي الوظائف للغة العربية وغيرها، يعني باختصار هذا وصف درس المتابعة الذي يتلقاه الطالب ويتقاضى عليه المدرس أجور تبدأ من 500 ليرة إلى 600 ليرة في الريف ومن ألف إلى 1200 وما يزيد في المدينة، ولنا أن نحسب التكلفة الأسبوعية لهذه المتابعة».
“راما” مدرسة اللغة الإنكليزية التي تقر بانتشار الدروس نبهت طلابها إلى أنها لن تقبل أي وظيفة تظهر أنها حلت من قبل أستاذ متابعة وتقول: «أتابع طلابي وأطلب وظائف وفق ما أقدمه من شرح خلال الحصة، وأستطيع تميز حل الطالب عن غيره خلال الأسبوع الفائت أرسلت ملاحظة للأهل معترضة على ذلك لكن رد الأهل لم يقنعني، مبررين أن الطالب يحتاج للمساعدة للحل وهم ليس لديهم المعرفة بالمادة».

تحول الطفل لآلة ناسخة ..

الموضوع يبدأ من وزارة التربية برأي المتخصصة التربوية الدكتورة “رنا أبو العز” المدربة المعتمدة من قبل المركز الإقليمي للطفولة التي ترى أن الوزارة لم تضع حداً لكثافة الوظائف وهذا بالطبع تابع للمناهج التي تقر ببعدها عن الواقع ولا تنسجم مع قدرات الطفل في هذه المرحلة التي يمنع فيها تكثيف الوظائف والمعلومات، ويكفي الطفل وقت المدرسة التي يتلقى فيه كم كبير من المعلومات وهي طريقة استغنت عنها الدول المتطورة، لتكون الصفوف الأربع الأولى من الدراسة تعلم عن طريق اللعب وليس حشو ذهن الطالب واجهاده بالرسم والكتابة.
الطفل تحول إلى آلة ناسخة تقول “أبو العز” وتضيف: «يدون ما يطلب منه ويفقد فرصة الإبداع ومحاولة اختبارات الحل، وهذا الخطأ يبدأ من إنشغال الأهالي عن الأطفال ووصولاً إلى المناهج وآلية التدريس إلى جانب ضيق الوقت وكثافة الوظائف كمحاولة للتطوير، لكن هذا التطويركان عبارة عن توليد خطر على الطفل عندما دفع الأهل للبحث عن الحل الأكثر سهولة خوفاً من الوقوع في متاهة الخطأ وليحصل الطفل على علامة الوظيفة وأرسلوه إلى من يظنون أنه صاحب الخبرة وهو معلم/ة المتابعة».

نعم للتعليم لا للتلقين

تدعو “أبو العز” القائمين على العملية التعليمية لمراجعة آلية التلقين المتبعة لدى شريحة واسعة من المدرسين والمدارس في سوريا، وتقول إن هذه العملية الببغائية أفقدت التعليم قيمته وأدخلت طالب المرحلة الابتدائية دوامة الدروس الخصوصية، هذه الدروس التي يفترض ألا يحتاج لها الطالب الذي لديه مدرسة يجب أن يخرج منها متماً لتعلمه، وهي احتياج فقط لمن لديهم صعوبات التعليم، فهل يعقل أن كل هذا العدد من الطلبة محتاجون لدروس متابعة!، إذا نحن أمام مشكلة خطيرة، وهذه الدروس هدفها ربحي بحت ولا تعلم الطالب كما أنها في الوقت ذاته تستنزف الأهل وتخرب عملية التعلم».

تتفق “مجدولين” وهي مدرسة متابعة مع “أبو العز” على فكرة التعليم التلقيني، وتضيف أنا مسؤوليتي أن يحصل الطالب على علامة جيدة هذا مايريده الأهل، يطلبون العشرة وعلي أن أجعله يحصل على العشرة سواء بحل الوظائف أو في تحفيظه المعلومات بطريقة البصم.

ماذا يمكن للأهل فعله؟

على الأهل تنمية مهارات التعلم الذاتي لدى أطفالهم منذ الصغر، تلك المهارة التي تمكنه من الحصول على المعلومة من مصادر موثوقة، وتنصح خبيرة التعليم “إباء ياسين” بالاعتماد على منصة التعلم المبكر على يوتيوب وهي تابعة لوزارة التربية وبالتالي هناك موثوقية فيها، بناء علاقة بين المدرسة وأهل الطلاب في المراحل المبكرة ووضع استراتيجية مشتركة تجاه الأطفال، المتابعة من قبل الأهل وليس مدرس المتابعة وخصوصاً الوالدين، واذا كان لابد للأهل من إخضاع أطفالهم لدروس فيجب أن تكون دروس تعلم تفاعلي وليس دروس متابعة، على اعتبار أن دروس التعلم التفاعلي يقضي خلالها التلميذ وقتاً ممتعاً ويتعلم ويعلم في آن معاً.

قد يكون للأهل مبرراتهم لكن المشكلة في حال استمرت ستقودنا لنتائج كارثية على التعليم الذي انتقل إلى خارج أسوار المدارس ومتخفياً بأساليب مختلفة وعلى أيدي غير متخصصة تتقاضى في الشهر الواحد ما يقارب 30 ألف على الطالب الواحد، وتفتح الباب عريضاً لتمدد الظاهرة وانتشارها على مساحات خرجت من سيطرة وزارة التربية التي لا تمتلك أي وسيلة لضبطها في ظل الاندفاع الشديد من قبل الأهالي باتجاهها دون أي تفكير بعواقبها.

المقالات المنشورة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الموقع