اللاعنف.. والعدّ للعشرة- ناجي سعيد

ناجي سعيد

فلسفة  العدّ للعشرة ليست ساذجة وبسيطة إنما تساعد الإنسان على صوابية إدارة حياته

سناك سوري- ناجي سعيد

بعد أن أعطانا أبي درسًا في اللاعنف، حيث أجلسنا أمامه أنا وأخي الأصغر مني وصفعنا كفًّا على وجنتينا ليختبر كيف نتفاعل مع الذي يضربنا. وكان درسًا سلوكيًّا في كيف نتصرّف حيال من يُعنّفنا، وقد كان هذا يحثّنا على التفكير قبل التصرّف. صرت أحسب الدرس الثاني هي الجملة التي كان يردّدها على مسامعنا أخوتي الكبار وأمي بأن: “عَدّ للعشرة قبل ما تعمل أي شي”، والذي شكّل البذرة التي زُرعَت في دماغنا لنفكّر قبل الإقدام على أي تصرّف أو سلوك في شتى مجالات حياتنا اليوميّة.

ولم يخطُر ببالي يومًا بأن الديمقراطيّة المُزيّفة الخاوية قد تصل بشخصٍ لا “يعدّ للعشرة” إلى سُدّة رئاسة أكبر دولة في العالم! والذي وببساطة لأنه لا يُفكّر قبل أن يتصرّف، قد يسبّب خرابًا ودمارًا (سياسيًّا وإقتصاديًّا) للعالم.

ليس العالم بهذه البساطة التي أتحدّث عنها، لكنّ قبل الخوض في عالم السياسة وتحقيق حلمي بانتشار اللاعنف كنهج يحكم العالم ليصبح أكثر عدلاً، يجب أن يلمّ الإنسان بأمور تجعل منه إنسانًا مُتّزنًا. حتّى لو درس في كنف أعدائه، كغاندي الذي درس الحقوق في يريطانيا فاكتسب الشجاعة والقيم ليقود تحرير الهند من نير إحتلال بريطانيا التي علّمته.

اقرأ أيضاً:التنمية وبناء السلام _ ناجي سعيد

ولا ينطبق على غاندي هنا المقولة الشعبية: “الله يلعن كل واحد بيشرب من بير وبيرمي حجر فيه”، بل كلّ ما فعله غاندي هو أن “عدّ للعشرة” حيث تلاقى علمه مع القيم التي تربّى عليها، وانطلاقًا من قيمه الإنسانية قاد الهند إلى التحرّر من الإحتلال البريطاني. وليس هذا دواءًا سحريًّا يتناوله الإنسان ليصبح لاعنفيًّا، لكنّ التربية هي الأساس في فلسفة اللاعنف، فمهما كانت تربية الطفل، تكون المفتاح لأن يعتنق اللاعنف فلسفة حياة ونهج لها. فلو كانت تربيته دينيّة أو مدنيّة فكلاهما لا يدعوان إلى العنف وإلغاء الآخر.

فكيف يعيش الإنسان بلا أخيه الإنسان؟ العنف يلغي الإنسانية ويجعل العالم غابة وحوش تأكل بعضها فلا يبقى إلا الأقوى. وحينها يُفسح المجال لسيطرة الغرائز الحيوانية على السلوك البشري. وحين تعمل الغرائز يسيطر قلب الإنسان على تحريك سلوكه العاطفي الذي لا يأبه لغيره في الوجود والبقاء.

ومع الغرائز تتصدّر النرجسيّة طبائع البشر وتصبح المقولة الشعبيّة المُسيطرة “يا ربّ نفسي”. وبذلك يحتاج العدّ للعشرة العملية العقلية التي تهذّب السلوك وتضبط النفس ليتعلّم منها بالإضافة إلى التحكّم بنفسه، الإنتباه والإلتفات إلى الاخر الذي يختصر متعة وجوده مع الناس المقولة الشعبية السائدة والتي تتفوّق المواعظ الدينية: “الجنّة بلا ناس ما بتنداس”.

اقرأ أيضاً:اللاعنف ومستقبل الإنسان- ناجي سعيد

ففلسفة العدّ للعشرة ليست ساذجة وبسيطة إنما تساعد الإنسان على صوابية إدارة حياته. ونفيها يسبّب العكس، المشاكل والفوضى تملأ حياة من لا يتأنّى في اتّخاذ قرارت مفصليّة في حياته. من ينتهج العنف لا يلاقي حلولاً لمشاكل تصادف يوميّاته، فلا يمكن أن تكون “إيدك واللطشة”. ففي عودة إلى مثال الأرعن ترامب وقبله بوش وأوباما.. فرعونتهم قادت العالم إلى خوض حروبٍ لازال الناس يعانوا من أضرارها، وبالتالي فإن الجملة ببساطتها تغيّر شكل العالم نحو الأسوأ لو لم نحترمها.

وهكذا اللاعنف لا يمكن أن يكون إلاّ إذا اعتمدنا توازنًا بين العقل والقلب بين العواطف والتفكير، بين التصرّف العفوي السريع وبين “العدّ للعشرة”. وبالطبع لم أكتب هذا المقال وأنهيه إلاّ بعد أن: “عدّيت للعشرة”.

اقرأ أيضاً:عبد الغفار خان .. المناضل المسلم اللاعنفي_ ناجي سعيد

المقالات المنشورة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الموقع