الرئيسيةرأي وتحليل

القضاء على المهن الهندسية بخبرات وطنية – أيهم محمود

الكاتب: يجب فرض ضرائب على العقارات غير المسكونة لتحريك المياه الراكدة

سناك سوري-أيهم محمود

بلغ مرض اللامعقول السوري أقصى إنتشارٍ له قبل بداية هذه السنة بقليل، شروخٌ عميقة تشكلت لتفتت وعينا الجمعي وتحوله إلى جزر منفصلة، لا نحتاج عناصر خارجية ولا أعداء يستهدفون مقدراتنا في مهمة إنهاء وجود النخب العلمية في مجتمعنا، فالجهل كفيلٌ بإنجاز ما عجز الأعداء عن تحقيقه.

نعيش الوقائع اليومية دون أن نحلل الأفكار التي تقف خلف أحداثها، هذا الإهمال في التحليل يطيل عمر الأزمات في مجتمعنا ويخلق المزيد من الشروخ العصية على الإصلاح، أبدأ هذا النص بالحدث الرئيسي في مقالٍ سابق: الذهاب إلى مبنى المالية لدفع الرسوم المترتبة على عقد إيجار مكتبي الهندسي، صُدمت بالمبلغ مثل الجميع، السر كله في “القيمة الرائجة للعقار” والتي يتم على أساسها تخمين الضريبة المترتبة على العقد، لقد تم تخمين سعر متر المكتب الذي سأمارس فيه عملي الهندسي بأكثر من ثلاثة ملايين ليرة سورية، ربما أفاجئ بعض القراء بقولي أن هذا السعر ليس سبب اعتراضي، فأنا اتفق مع مبدأ دفع الضرائب وفق الأسعار الحقيقية، اعتراضي على أمر آخر يختلف عن تقدير القيمة الرائجة للعقار.

رفضتْ قوى نافذة بعضها متغلغل بعمق في نقابة المهندسين رفع أجور الدراسات الهندسية لتصبح وفق الأسعار الرائجة، مازالت النقابة تعتمد سعراً يقل بكثير عن سعر تكلفة المتر المربع من البناء حتى بعد زيادته الأخيرة، تكلفة المتر المربع للبناء السكني وفق آخر تقديرات نقابة المهندسين (الصورة المرفقة) ٥٥٠٠٠ ليرة سورية ونسبة أتعاب الدراسات الهندسية هي ٢.٥٪ من تكلفة المتر وهو رقم عالمي تم قبوله في حده الأدنى، تكلفة إنشاء المتر المربع الحقيقية تتراوح بين ٣٥٠ ألف و٥٠٠ ألف ليرة سورية وقد تكون هذه الكلفة أكبر في حال الأبنية التي تتطلب حلول إنشائية خاصة أو إكساء معماري خاص.

اقرأ أيضاً: العلم تمرد وإبداع فلماذا حروب الأهالي؟ – أيهم محمود

نحن أمام تكلفة تبلغ ٤٠٠ ألف ليرة وسطياً وهي من مرتبة ٨ أضعاف تقدير نقابة المهندسين لتكلفة المتر المربع، قيمة تكلفة المتر المربع التي اعتمدتها النقابة لا تقبل بها مديرية المالية أساساً لعمليات حساب الضرائب ولا يقبل بها مالك أو متعهد البناء أيضاً، وحده المهندس الذي لا سند له عليه أن يقبل بها، النقابة التي يُفترض بها ليس الدفاع عن المهندسين كأفراد فقط بل الدفاع أيضاً عن بقاء المهنة وصيانة نوعية منتجها مازالت تنظر إلى المهن الهندسية وفق الاعتقاد التقليدي العام، معظم مشاكلنا الاقتصادية السورية ناتجة عن عدم كفاءة العمل الهندسي فيها والذي يجب عدم حصره في سجن الأبنية السكنية والتجارية، فالعمل الهندسي يمتد إلى كل جوانب الإبداع والابتكار التي يحتاجها المجتمع، لكننا الآن نزيد طين واقعنا بلة عبر تهجير النخب العلمية المميزة القادرة على العمل خارج الحدود الجغرافية التي وجدت نفسها فيها.

سأمضي قدماً في فكرةٍ قد يعتبرها بعض القراء متطرفة: “مافيا البناء أخطر على واقعنا السوري من مافيا المخدرات”، حيث تقوم مافيا البناء بإخراج احتياطي العملات العالمية خارج حدود البلاد، كذلك بما هو أخطر من ذلك عندما تستغل ثمن المواد الغذائية التي تنتجها سوريا من أجل شراء مواد لا نفع لها في ظروف الحصار، سيراميك أو دورة مياه لبيوت سيبقى قسم مهم منها مغلقاً، لم يعد شراء العقارات يتم من أجل استعمالها في السكن أو العمل فقط، فلقد أصبح الاستحواذ عليها الوسيلة الأكثر أماناً لإدخار المال وخاصة بعد فضيحة المصارف اللبنانية والانهيارات المتعددة لقيمة العملة السورية، هناك فرقٌ هائل بين بناء مصنع أو مزرعة أو شركة وبين تخزين المال على شكل أحجار لا تنفع أحداً بل هي تضر المجتمع كله عبر تجميدها وفق صيغةٍ ميتة لا حياة فيه، هو استنزافٌ لمقدرات البلاد وتحويلها إلى قيمةٍ ميتة بلا أي فائدة.

لماذا نتحدث عن مافيا البناء؟

لأسباب كثيرة، أولها أنها تبيع بالسعر الرائج ومنذ وقتٍ طويل أيضاً قبل أن تتنبه الحكومة إلى حجم الأموال المتداولة في سوق العقارات وتطالب بحصتها الشرعية من الضرائب على الأرباح الفاحشة السائدة في هذا القطاع، لقد زادت الأرباح فيه بنسب مهمة بعد التخفيض القسري لأجور العمال وأجور الدراسات الهندسية وتخفيض القيمة الفعلية للضرائب المطبقة عليه قبل الصحوة المالية الأخيرة التي بدأت بتعديل قيمة الضرائب لتصبح وفق القيمة الحقيقية الرائجة للعقارات.

إن كانت أجهزة الدولة كلها تعترف الآن بالقيمة الحقيقية للعقارات وفق تقديرات وزارة المالية، وإن كان مقاولوا البناء لم يتوقفوا يوماً عن البيع بالقيمة الرائجة فما هو مبرر نقابة المهندسين السوريين لاعتماد قيمة أقل بكثير من القيمة الحقيقية لسعر البناء؟.

أبرمتْ أهم الشركات الهندسية السورية وأكبرها: “الشركة العامة للدراسات الهندسية” عقود الدراسات الهندسية بنسبة ٣٪ من قيمة الكشف التقديري، كانت مراسلاتها الأولية للاتفاق على أتعاب الدراسات الهندسية تتضمن عبارة هامة للغاية:
“الحد الأدنى للأتعاب والبالغ ٣٪”.

للمقارنة يمكن الاستفسار من أي متجر في سوق الخضار المركزي لمعرفة نسبة العمولة من السعر الكلي للمادة التي يتقاضها التاجر من المزارعين ومقارنتها مع نسبة أتعاب الدراسات الهندسية.

نفوذ مافيا البناء في نقابة المهندسين أكبر بكثير من نفوذ المهندسين أنفسهم

اقرأ أيضاً: غير مرغوب بها.. خطرة على استقرار زواج الإنجاب! – أيهم محمود

ماذا لدينا هنا من ثوابت قبل المضي قدماً في هذا النص؟

مقاولون يعتمدون السعر الرائج، أي أن المكان الذي سأمارس فيه عملي -شراء أو إيجار- محكوم حتماً بالسعر الحقيقي للبناء.
لدينا أيضاً نظام ضريبي على العقارات يعتمد السعر الرائج لها.

وأخيراً لدينا نقابة مهندسين ترفض أن تُقر بهذا الواقع اللامعقول واللامنطقي لتطالب علناً وبصيغة رسمية واضحة وحازمة باعتماد السعر الرائج الذي اعتمدته الحكومة نفسها لاستيفاء ضرائبها، يجب تحديد الأتعاب كنسبة مئوية من قيمة تكلفة البناء الحقيقية وليس كرقم ثابت نعرف جميعاً أنه مجرد وهم فقيمته تتغير باستمرار.

كل المشاركين في معادلة البناء يتوفر لديهم المال اللازم لإكمالها على أتم وجه، المتعهد أو المالك، الشاري، الحكومة التي تحصل على ضرائبها وفق القيمة الفعلية، وحده المهندس عليه أن يدفع لكل هذه الأطراف بالقيمة الفعلية ثم يقبض أجوره بالقيمة التخيلية لسعر المتر المربع من البناء، لو أخبروه بشكل واضح أن يغادر ويرحل من هنا لكان هذا الفعل أكثر احتراماً من إيصال الفكرة له بهذه الطريقة.

نفوذ مافيا البناء في نقابة المهندسين أكبر بكثير من نفوذ المهندسين أنفسهم وإلا لكانت مطالبتنا العلنية واضحة وبسيطة جداً ولا حرج فيها: “نقبل كنقابة مهندسين باعتماد القيمة الرائجة الحالية التي وضعتها وزارة المالية أساساً لحساب أتعابنا وفق نسبة مئوية لا تقل عن (٢.٥٪)”.

هذا أبسط المنطق الرياضي الذي لا يجب أن يكون مستغرباً من قبل من درسوا في السنوات الجامعية أصعب المواد النظرية ليقفوا عاجزين عن حساب نسبة مئوية واضحة لم يستطيعوا المطالبة بها حتى تاريخ تدوين كلمات هذا المقال.

نترك نقابة المهندسين في معضلتها التكوينية ونعود لمافيا العقارات، لماذا أطلقتُ عليها اسم مافيا؟ وكل نشاطها مشروع ومعلن، بل يعتقد كثيرٌ من أفراد المجتمع أنها عنوان النهضة المدنية والاجتماعية.

يجب فرض ضرائب على العقارات غير المسكونة لتحريك المياه الراكدة

هل حاول أحدنا من قبل عد البيوت المغلقة أو نصف المكسية في شوارعنا؟، ربما التشريع الثاني الضروري في حالتنا السورية هو إطلاق ضرائب باهظة على العقارات غير المستخدمة تبلغ في المدى البعيد أضعاف القيمة الرائجة لها، تستهدف هذه الضرائب الذكية من يملك عقارات متعددة غير عقار السكن والعقار الذي يستخدمه المالك للعمل، هذه الضرائب القاسية ستحرك المياه الراكدة وتحول الأموال الساكنة فيها باتجاه إنشاء الشركات والأعمال بدلاً من تجميدها في عقارات وشقق سكنية من أجل الإدخار فقط.

مافيا البناء هي حالة مرضية مستهلكة للطاقة وغير منتجة، بناءُ مصنع يختلف كلياً عن بناء شقة سكنية فارغة لن يسكنها أحد، في الحالة الأولى سيعيش المصنع لبضع عقود على الأقل وستبلغ قيم منتجاته أضعاف أضعاف قيمة تكلفته الأساسية، إضافةً إلى تشغيله عدداً مهماً من العمال مع احتمال بيع منتجاته في الأسواق العالمية، أو سد حاجة السوق المحلية وتوفير ثمن استيراد البضائع التي ينتجها، في الحالة الثانية، حالة الأبنية الفارغة، نحن نقوم بتجميد المال في مكان يستوجب وجود صيانة مستمرة، أي أن نزيف المال لا يتوقف عند مرحلة البناء فقط بل يستمر طيلة فترة حياة المنشأة، إلى أن نخسر لاحقاً كل المال الذي تم صرفه على إنشائها مع نهاية حياتها ثم هدمها لاحقاً دون أن يستفيد المجتمع من ليرة واحدة من الاستثمار الذي تم تخصيصه فيها.

ليست العلة في البناء كفكرة، فالسؤال الرئيسي هنا هو لمن نبني وما هي وظيفة هذا البناء، ترتبط مافيا البناء عضوياّ بالطبقة المالية التي تدخر أموالها في سوق العقارات لذلك نراها تحمل الكثير من صفاتها، هي مرتبطة أيضاً بفورة هجرة الأرياف للمدن، ومرتبطة أيضاً وأيضاً بجنون تمدين الأرياف وتحويلها من أماكن انتاج واستقرار غذائي وبيئي إلى غابات من الأبنية الاسمنتية أصبحت عالة على منطقتها وعلى المناطق المحيطة بها، أريافٌ تنتظر غذائها مثلما تفعل المدن بعد أن كانت قبل سنوات ليست بالبعيدة مكان اكتفاء ذاتي على الأقل إن لم نقل مراكز تصدير لفائض منتجاتها.

إذاً هي ثقافة وليست مجرد جشع بعض الأفراد، ثقافةٌ تجذرت وتغلغلت فعطلت قدرة دفاع المهندسين عن عملهم الفكري، بعض المقاولين يطالبون المهندس بإرجاع المبالغ التي تحولها النقابة إلى حسابهم بعد اقتطاعها ما يخصها منها، هنا المسؤولية مشتركة بين المهندس الذي ارتضى تسخيف جهده وعلمه وبين النقابة التي لم تستطع ابتكار الأدوات المناسبة لوقف هذا الاستغلال لأعضائها، الدفاع عن المهندسين المنتمين لها هو صلب مهمتها، وعليها واجب منع من يحاول تشويه مهنته حتى لو فعل ذلك بكامل إرادته الحرة وليس تحت ضغط الحاجة المالية كما يحدث في معظم الحالات.

الهندسة إبداع وما لدينا الآن هو خنق فكرة الهندسة وحصرها فقط برخصة بناء.

قطاع الهندسة أكبر من عملية إصدار رخصة بناء، هو بناء البرمجيات التي نحتاجها في عملنا الهندسي، هو ابتكار الأدوات الصناعية اللازمة لبقائنا، هي الأبحاث البيئة، هي البحث عن أساليب بناء غير تقليدية بالمواد الطبيعية، الهندسة إبداع وما لدينا الآن هو خنق فكرة الهندسة وحصرها فقط برخصة بناء، ربما يجب إلحاق نقابة المهندسين بالهيكل التنظيمي للمقاولين إلى أن يبذل المهندسون المنتمين لها جهداً أكبر في الدفاع عن حقوقهم ويبذلوا جهوداً صادقة وحقيقية في توسيع نشاطهم ليشمل آلاف الزوايا المهملة التي يحتاج مجتمعهم وجودها وتفعيلها.

أتفهم باحترام شديد، وتقدير عالي، تضحية قسم مهم من الأطباء العاملين في سوريا بجزء كبير من دخلهم نتيجة التعامل مع شريحة واسعة أنهكها التخفيض المستمر لأجورها، لكن لا أستطيع فهم سبب التضحية بطبقة علمية كاملة من أجل زيادة أرباح من تبلغ قيمة تبادلهم المالي ألوف المليارات في عامٍ مالي واحد.

اقرأ أيضاً: كل سوري مشروعُ مدان حتى وهو جنين في بطن أمه – أيهم محمود

المقالات المنشورة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الموقع

‫2 تعليقات

  1. نعم هناك مهندسون يخنقون فكرة الهندسة ويحصرونها برخصة البناء ولا يعرفون شيئاً مع الأسف حول ماذكرت عن ماهية الهندسة.ومع الأسف هؤلاء هم من يسيطر على النقابة منذ عشرات السنين .هؤلاء الذين مازالوا منذ أكثر من عشر سنين يرفضون تنفيذ الفقرة ب / من المادة /91/ من نظام مزاولة المهنة(علماًبأن عدم تنفيذها ومخالفة الأنظمة النقابيةيستوجب الاحالة الى مجلس تأديبي) والتي تقول (يجب حفظ المخططات الهندسية في فروع النقابة لمدة لاتقل عن عشر سنوات من تاريخ التصديق بموجب أقراص مدمجة (cd) .والحجة التي قيلت لنا (لايمكن تنفيذ ذلك) نقابة مهندسين لم تستطع خلال أكثر من عشر سنوات أن تجد حلا لمعضلة بهذا الحجم كيف يمكن أن تكون الهندسة عندها ابداع.أما بالنسبة للتعرفة المعول بها في النقابة فهي تعرفة الحد الأدنى التي يعتبر القبول بأقل منها من الأمور المخالفة لكرامة المهنة وروح الزمالة ويعتبرنوعاً من المضاربة،و في حين لايعتبر العمل الهندسي عملاً تجارياًوالأتعاب التي يتقاضاها المهندس هي نظير تقديمه خدمات وخبرات ويتفق على أتعابه مع صاحب العمل ولا حد أعلى لها طالما حظي برضا الطرفين ،حيث من المفروض أن يتم التعاقد بين صاحب المكتب الهندسي وصاحب العمل طبقا للنماذج المعتمدة من مجلس النقابة والتي تحدد فيها مهام وواجبات كلا الطرفين بشكل صريح وواضح(مادة/87/ نظام مزاولة مهنة الهندسة).كما يجب على لجنة شعبة المكاتب الاطلاع على هذه العقود وتسجيلها لديه بعد اعتمادها وتصديقها (فقره /ل/مادة/101/) هناك تنظيم لابأس به في نظام مزاولة مهنة الهندسة(ربما يحتاج لتطوير) ولكن لابد أولا من تطبيقه بدقة وأمانة وبعدها يمكن اكتشاف النواقص للعمل على تطويرها.كل الشكر لكثير من الأفكار المميزة في مقالك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى