أخر الأخبارالرئيسيةتقارير

تصورات السوريين لبناء الدولة والسلام .. المواطنة كضمان يمنع إعادة إنتاج الإقصاء

تمثيل رمزي للنساء مقابل ضعف التمكين الفعلي .. وغياب المساحات المنظّمة للشباب

يكشف تقرير بعنوان “استعادة المجال العام في سوريا: تصورات السوريين والسوريات لإعادة بناء الدولة والسلام” عن قراءة نوعية معمقة لمواقف السوريين تجاه قضايا المواطنة والمشاركة السياسية والعقد الاجتماعي، وذلك استناداً إلى مسار حواري شمل جلسات محلية وتقاطعية ووطنية بمشاركة نحو 120 شخصاً من خلفيات اجتماعية وجغرافية متنوعة.

سناك سوري _ دمشق

التقرير الصادر عن منظمة “دودري” السورية قال أن الأزمة في سوريا لا تكمن في غياب التعريفات أو النصوص القانونية للمواطنة، بل في طبيعة العلاقة المختلة بين الدولة والمجتمع، والتي تتشكل تحت ضغط عوامل الأمن والاقتصاد والهوية وحدود المجال العام، مشيراً إلى أن أي محاولة لبناء عقد اجتماعي أو تحقيق سلام مستدام لا يمكن فصلها عن هذه الديناميات اليومية التي تحدد شروط الفعل السياسي الممكن.

9 منظمات سورية توجّه رسالة إلى يوم الحوار .. إعادة الحوار الوطني وتعديل الإعلان الدستوري

مخاوف متباينة بحسب المناطق

وبحسب التقرير، فقد جرت النقاشات في سياق يتسم بهشاشة أمنية، وانهيار اقتصادي، وتوترات مجتمعية، إلى جانب تضييق في المساحات السياسية، وهو ما انعكس مباشرة على تصورات المشاركين للمواطنة والمشاركة السياسية . ففي مناطق شمال وشرق سوريا، أعادت التحولات الميدانية طرح أسئلة اللامركزية والضمانات السياسية، بينما برز في السويداء شعور بالعزلة نتيجة القطيعة مع المركز، في حين سيطر الخوف المرتبط بالانتهاكات على نقاشات حمص وطرطوس. أما في دمشق وحلب، فقد تركزت المخاوف حول الأزمة الاقتصادية واستمرار أنماط اتخاذ القرار الضيقة.

وفي محور المشاركة السياسية، يوضح التقرير أن السوريين ما يزالون يتعاملون مع السياسة بحذر شديد نتيجة إرث طويل من الخوف والتقييد، حيث تتأرجح المشاركة بين مسارين: الأول يقوم على الضغط ومواجهة السلطة، والثاني يسعى إلى التأثير التدريجي عبر الانخراط في المجال العام . إلا أن غياب الأطر المنظمة، مثل الأحزاب والقوانين الناظمة، واستمرار الرقابة الرسمية وغير الرسمية، يجعل هذه المشاركة عرضة لأن تتحول إلى ممارسة رمزية أكثر منها فعلاً مؤثراً.

فجوة واسعة بين الحماس والمشاركة السياسية في سوريا خلال المرحلة الانتقالية

كما يبرز التقرير دور الهوية كعامل متغير يؤثر في المشاركة السياسية، حيث تتحول في لحظات الهشاشة إلى أداة “فرز” تحدد من يحق له المشاركة، بينما تتراجع المواطنة الجامعة لصالح انكفاءات محلية أو طائفية تبحث عن الحماية . ويشدد على أن تجاهل التنوع دون الاعتراف به قد يؤدي إلى إعادة إنتاج الإقصاء.

مشاركة النساء والشباب

وفي ما يتعلق بالنساء والشباب، يبين التقرير أن مشاركتهم تتأثر بتقاطع عوامل الأمن والاقتصاد والرقابة الاجتماعية، حيث يُدفعون غالباً نحو أدوار مدنية وخدمية، بينما تبقى السياسة المباشرة أكثر انغلاقاً. كما يلفت إلى وجود تمثيل رمزي للنساء مقابل ضعف التمكين الفعلي، وغياب مساحات منظمة للشباب .

تقرير حقوقي يحذّر من تقويض العدالة الانتقالية في سوريا

أما على صعيد العقد الاجتماعي، فيشير التقرير إلى أن إمكانية صياغة عقد جامع ليست مسألة تقنية أو دستورية، بل تتطلب شروطاً متلازمة، أبرزها بيئة سياسية آمنة، ومسار عدالة انتقالية ذو مصداقية، ومعالجة الانهيار الاقتصادي، إلى جانب ضمانات مؤسسية تمنع إعادة إنتاج التهميش والفساد . ويعرض ثلاث مقاربات لبداية هذا المسار: بناء الدولة، أو بناء الثقة، أو بناء السلام، مع تأكيد متزايد على ضرورة السير بهذه المسارات بشكل متوازٍ.

ويخلص التقرير إلى أن نجاح المرحلة الانتقالية في سوريا يعتمد على تحويل المواطنة من مفهوم نظري إلى ضمانات ملموسة، تشمل الحماية المتساوية، والعدالة القابلة للتصديق، والشفافية، وإدارة التنوع دون إنتاج انقسامات جديدة . ويحذر من أن أي مسار لا يضع هذه العناصر في صلبه سيبقى عرضة لإعادة إنتاج الإقصاء، في حين يشير إلى أن الاستثمار في الحوار والحوكمة المحلية والعدالة يمثل مدخلاً واقعياً نحو بناء عقد اجتماعي قابل للحياة.

زر الذهاب إلى الأعلى