وداعاً صحفي السلام عبد العظيم عبد الله
وفاة الصحفي السوري عبد العظيم عبد الله ابن القامشلي وصوتها

في كانون الأول 2009 التقيت في دمشق مع صحفي يتحدث العربية بطريقة توحي أنه يبذل جهداً مضاعفاً للتعبير فيها، لكن كلماته كانت دقيقة شديدة الوقع والتأثير، وأفكاره عميقة الارتباط بالبيئة التي جاء منها والتي أراد أن يكون سفيرها وصوتها والمعبر عنها. هذا الصحفي كان الزميل عبد العظيم عبد الله السوري الكردي الذي فارق الحياة اليوم متأثراً بإصابته بالرصاص خلال عبوره في الباص عائداً للحسكة بعد مهمة صحفية كان يقوم بها.
سناك سوري – بلال سليطين
خلال ساعتين من الزمن تقريباً تشكلت ملامح صداقتي معه والتي امتدت 17 عاماً لم ننقطع عن التواصل فيها أسبوعاً واحداً رغم أننا كنا نعيش في مدن متباعدة، ولاحقاً في دول متباعدة أيضاً، لكنه ظل مخلصاً للصداقة كإخلاصه للقامشلي التي ينتمي لها ولادةً وروحاً.
كان التعرف على “عبد العظيم” سهلاً من خلال الأفكار التي يقترحها باجتماعات العمل دون أن يضطر أحد أن يكون على تواصل يومي معه، فكانت كلها أفكار تدور حول التعريف بالقامشلي بتنوعها بتراثها بمجتمعها وبمعاناة أهلها، كان مولعاً بالبيئة التي ينتمي لها مقدراً لثرائها متعمقاً في تفاصيلها الدقيقة وحاملاً لرسالتها بين كل السوريين.
ربما هو من الأشخاص القلائل في سوريا الذين لم يخسروا ولم يخسرهم أي صديق خلال سنوات الصراع والانقسام في البلاد، فقد كانت مواقفه وطريقته بالتعبير عنها شديدة الحساسية لمشاعر الآخرين وشديدة التحفيز على السلام.
لم يخضع في حياته التي أعرفها لأي تدريب على صحافة السلام لكنه كان شديد الاتقان لدور صحافة السلام وحاول كثيراً تجسيده فيما يكتب وكان يستطيع أن يجد طريقاً لأفكاره عبر مواده الصحفية من بين أصوات الرصاص والكراهية.
أكاد أجزم أنه ترك أثراً طيباً لدى كل من عرفه، وأثراً أطيب في كل من عمل معه، لم يكن سهلاً بالتأكيد، كان عنيداً في سياسته التحريرية والصحفية الخاصة به ولم يكن يلتزم بسياسات التحرير ولا بطرق العرض والتقديم للمواد بل كان يصر على أسلوبه وإيصال الأفكار بطريقته، وربما كان هذا يتعب الكثير من المحررين الذين عمل معهم لكنهم جميعاً كانوا معجبين بالأفكار والاقتراحات التي يقدمها وبغناها حتى أنهم كانوا ينهون كل حديث معه برضى حتى ولو لم يفعل إلا ما كان في رأسه.
في عام 2017 كنا في أطار التأسيس لفكرة سناك سوري، تحدثت مع “عبد” عبر الهاتف بالفكرة فكان رده فوراً منخصص مساحة للحديث عن القامشلي والحسكة كل أسبوع، ومنحكي مع الزملاء فلان وفلان وفلان لحتى ينضموا إلنا. لقد تبنى الفكرة خلال لحظات ومضى فيها 8 سنوات حتى فارق الحياة.
في الصحافة عرفنا على “عيد العنب” و”عيد الرشراش” و”الأربعاء الأحمر”، وعرفنا على “زواج الحيار”، و”نادي الجهاد” و”حافلة دير غصن” و”الأرض، والمحصول، والمزارع” و”المعاناة” و”التهميش، والإقصاء” و “ظروف المعيشة، والتعليم”..ووإلخ من تنوع بين المجتمع والقضايا والوجع والفرح.
وفي الحياة عرفنا على الصدق والإخلاص والقدرة على أن يكون مختلفاً مع الناس وصديقاً لهم في نفس الوقت دون أن يخلط مشاعره ومواقفه من أحداث عابرة بعلاقاته الإنسانية والاجتماعية مع الآخرين.
رحل عبد اليوم عنا تاركاً فينا “ذاته وقيمه” وقضاياه ومجتمعه أيضاً، والتحق بالزميلة لينا التي سبقته قبل سنوات بعد صراع مع مرض عضال، وبقينا نحن نحاول أن نتابع المسيرة بإخلاص للقضية التي تبنيناها معاً ولأرواحهما.








