أخر الأخبارالرئيسيةيوميات مواطن

وجبات الشتاء تغيرت.. المطبخ السوري مرآة الوضع المعيشي

المعيشة السورية حكاية الأكل والكهرباء

لم تعد وجبات الشتاء في بيوت السوريين تحضر كما اعتادتها العائلات خلال العقود الماضية، مع استمرار ارتفاع أسعار اللحوم وتراجع القدرة الشرائية، ما دفع كثيرين إلى تعديل وصفاتهم التقليدية، أو الاستغناء عن بعض مكوّناتها، والبحث عن بدائل أقل كلفة.

سناك سوري-خاص

تقول “أم محمد” 49 عاماً، تعمل كربة منزل، إن وجبة الفاصولياء التي كانت تطبخ سابقاً مع اللحم، باتت اليوم تُحضَّر «بالثوم والبهارات فقط، أو مع شرحات الدجاج إن توفرت»، مضيفة أن شراء اللحم أصبح «للطعم لا للشبع»، حيث تضاف كمية صغيرة جداً منه إلى الطبخة أحياناً.

ويتراوح سعر كيلو اللحم في سوريا بين 140 إلى 160 ألف ليرة للعجل، وبين 150 وحتى 200 ألف ليرة للخروف، وشرحات الدجاج بين 45 إلى 50 ألف ليرة، وتكلف طبخة الفاصوليا مع لحم نحو 95 ألف ليرة، 20 ألف كيلو فاصوليا، 50 ألف لحمة، 10 آلاف ثوم ودبس بندور، و15 ألف كيلو أرز مع كلفة السمن والشعيرية.

وينسحب هذا التغيير على وجبة الملفوف الأبيض (اليخنة)، التي تحضَّر اليوم في كثير من المنازل بالثوم والزيت والبهارات، مع الاستغناء عن اللحم أو تقليصه إلى حده الأدنى، في محاولة للتقليل من الكلفة مع الحفاظ على وجود الطبق على المائدة.

الكشك.. من وجبة دسمة إلى طبق اقتصادي

أما الكشك، أحد أشهر أطباق الشتاء في سوريا، فقد خرج بدوره من دائرة “الوجبات الكاملة”، بعد أن كان يطبخ مع اللحم والدهن أو القاورما، تقول “سعاد” 55 عاماً من ريف دمشق: «صرنا نطبخه مع البصل وبعض البهارات فقط، اللحم لم يعد خياراً».

ومع تقلص الاعتماد على اللحوم في فصل يحتاج إلى طعام مشبع يبث الدفء، اتجهت عائلات كثيرة إلى الخضار الموسمية وأكلات الزيت، مثل الفول المقلى بدل الرز مع اللحم، والكوسا على نعنع، ومقلاية الكوسا، كذلك مجدرة البرغل أو الأرز كحلول أقل كلفة لتأمين وجبات يومية.

معكرونة الكشك جاهزة للأكل مع بعض قطع المخلل

الأرقام خارج المطبخ

هذا التحول في المطبخ يعكس واقعاً معيشياً أوسع فالحكومة كانت قد أعلنت العام الفائت عن زيادة الرواتب بنسبة 200%، ليبلغ متوسط الراتب نحو 850 ألف ليرة سورية.

إلا أن هذه الزيادة لم تنعكس تحسناً ملموساً على حياة كثير من الأسر، خصوصاً مع فقدان عدد من النساء والرجال رواتبهم نتيجة الفصل، وتأخر صرف رواتب بعض الموظفين لأشهر، إلى جانب رفع أسعار الكهرباء، حيث باتت فاتورة الكهرباء تتجاوز الراتب في بعض الأحيان.

في أيلول الفائت، سجل “مؤشر قاسيون لتكاليف المعيشة” ارتفاعاً في تكاليف جميع الضروريات الأساسية لمعيشة أسرة سورية مكونة من خمسة أفراد، ليبلغ وسطي التكاليف نحو 11.3 مليون ليرة سورية، فيما قدر الحد الأدنى لتكاليف المعيشة بأكثر من 7.1 ملايين ليرة.

ورغم زيادة الأجور الرسمية، فإنها لا تغطي سوى نحو ثلاثة أيام من حاجة الأسرة للاستهلاك بالحد الأدنى، ما يعكس فجوة واسعة بين الدخل والإنفاق الضروري، تتفاقم مع عدم انتظام الرواتب وارتفاع معدلات البطالة.

الريف.. بدائل أقل ولكن غير كافية

في الأرياف، لا تبدو الصورة أفضل كثيراً فرغم توفر بعض البدائل الطبيعية، عاد سكان عدد من المناطق للاعتماد على النباتات البرية كجزء من وجبات الشتاء.

في ريف السويداء، يعتمد أهالي على نبات الدردار الذي يُجمع من الأراضي المحيطة بالمنازل، ويسلق ويتبل بالثوم والملح والحامض، وفي الساحل السوري والجزيرة، تنتشر الخبيزة والهندباء، وتعد خياراً رئيسياً لدى كثير من العائلات.

تقول “نائلة” 43 عاماً من إحدى قرى الساحل إن الخبيزة «تنقذ النساء من الحيرة اليومية»، مشيرة إلى أن ملعقتين من الزيت مع قليل من البصل كفيلة بتحضير وجبة تكفي العائلة، في ظل قلة الخيارات وارتفاع الأسعار.

نبات الخبيزة – سناك سوري

واقع مستمر

قبل عام، قال برنامج الأمم المتحدة الإنمائي إن تسعة من كل عشرة أشخاص في سوريا يعيشون في فقر، وإن واحداً من كل أربعة عاطل عن العمل.

وبين هذه الأرقام، ووجبات الشتاء التي فقدت دسامتها، تتشكل يومياً قصة المعيشة في بيوت السوريين، حيث لم يعد السؤال ماذا سنطبخ؟ بل ماذا يمكننا أن نطبخ بما نملك؟

زر الذهاب إلى الأعلى