أثار إطلاق مدونة السلوك المهني والأخلاقي لقطاع الإعلام في سوريا جدلاً واسعاً في الأوساط الصحفية والإعلامية، بين من اعتبرها خطوة تأسيسية لضبط المهنة ومواجهة خطاب الكراهية، ومن رأى فيها وثيقة أُنجزت بصيغة فوقية تفتقر إلى الشمولية والتمثيل الحقيقي، وسط تساؤلات عن أرقام المشاركين وآليات المساءلة والتطبيق.
سناك سوري-دمشق
وجرى إطلاق المدونة خلال حفل رسمي في دمشق أمس الأحد، تحت شعار “إعلام مهني.. وكلمة مسؤولة”، بحضور وزراء ومسؤولين إعلاميين وصحفيين وصناع محتوى، حيث وزعت نسخ من الوثيقة التي تعرّف نفسها إطاراً مرجعياً يوازن بين حرية التعبير والمسؤولية، ويستند إلى الإعلان الدستوري الصادر في آذار 2025، والمواثيق الدولية لحقوق الإنسان.
وقال مدير المركز الصحفي السوري “أكرم الأحمد” إن المدونة تمثل «عقداً جديداً مع الحقيقة» و«حوكمة واضحة في زمن الفوضى»، مؤكداً أنها «خط أحمر ضد التشهير وخطاب الكراهية وقتل السمعة»، وأنها «نظام تشغيل للثقة» يمنع تحوّل الإعلام إلى «سوق للعناوين الرخيصة» أو اللهاث خلف التفاعل.
وأضاف أن المهنية «ليست حياداً بارداً بل انحيازاً للحقيقة والإنسان»، معتبراً أن حماية أخلاقيات المهنة هي «أقوى طريقة لحماية الثورة من التشويه».
في المقابل، شكك الصحفي “حازم داكل” في الرقم الذي أعلنته وزارة الإعلام عن توقيع “ألف صحفي” على المدونة، متسائلاً عن آليات احتساب هذا العدد، وأشار إلى أن رابطة الصحفيين السوريين، التي تضم مئات الصحفيين بعد معايير انتساب صارمة، «لم تشارك رسمياً ورفضت المدونة»، محذراً مما وصفه بـ«خلط الحابل بالنابل وتمييع المهنة»، واعتبر أن العمل النقابي «يبنى على التراكم والمصداقية لا على حشد الأرقام والاحتفالات».
بدوره، رأى المدير التنفيذي لمؤسسة “آرتا” للإعلام “سيروان حاج بركو” أن السؤال الجوهري لا يتعلق بوجود مدونة من عدمه، بل «كيف كتبت ومن شارك فعلياً في صياغتها».
وقال إن المشاركة «لا تقاس بعدد الأسماء بل بعمق النقاش وتأثيره»، محذراً من أن أي إقصاء للإعلام المستقل أو المحلي في المناطق المهمّشة «يفرغ الوثيقة من مضمونها الوطني».
ودعا إلى بيئة مرافقة تشمل شفافية التراخيص، وشراكة حقيقية مع الإعلام المستقل، وضمانات قانونية تحمي الصحفيين، وموقفاً واضحاً ضد خطاب الكراهية “أياً كان مصدره”، وقال: «المرحلة التي نمر بها تحتاج إلى ثقة أكثر من حاجتها إلى أوراق رسمية. والثقة لا تُبنى بالاحتكار، بل بالمشاركة. لا تُبنى بالأرقام الكبيرة، بل بالأصوات الحقيقية».
في سياق داعم، أعرب عضو المكتب التنفيذي لاتحاد الصحفيين محمود أبو راس عن أمله في ألا تتحول المدونة إلى “قواعد جامدة”، بل إلى «أداة لإدارة المخاطر ومرجع أخلاقي يحمي الصحفي من الضغوط»، معتبراً إياها فرصة لبناء إطار يحتكم إليه في النزاعات، وتعزيز السلم الأهلي، واستعادة «هيبة الصحافة ومصداقيتها».
وتنص المدونة على التزام سيادة القانون والمسؤولية المجتمعية وصون وحدة البلاد، وتحمّل المؤسسات الإعلامية المسؤولية عن المواد المنشورة، مع التأكيد على قرينة البراءة ورفض الإجراءات التأديبية المبنية على اتهامات غير موثقة كما تعتمد التعاريف القانونية الوطنية للمصطلحات الجنائية، وتؤكد أن الاعتراض على القوانين أو الإشارة إلى عيوبها لا يعد مخالفة.
وبينما تؤكد الجهات الرسمية أن المدونة جاءت ثمرة نقاشات شارك فيها مئات الصحفيين والمؤسسات وصناع المحتوى، يرى منتقدون لها أنها غير شفافة ووسيلة ضغط على الخطاب الإعلامي، بينما قال منتقدون آخرون إن نجاحها سيظل رهناً بآليات التنفيذ، واتساع دائرة المشاركة، وتحويلها من وثيقة مثار جدل إلى مساحة توافق مهني.








