الرئيسيةرأي وتحليل

لماذا يتمسّك بعض رجال الدين بالتنميط والتعميم – ناجي سعيد

التعميم والتنميط يُنتجان المنطقة الآمنة التي تعطل التفكير الإبداعي

التنميط هو استعمال مجتمعي لمفهوم “التعميم”. والتعميم هو العملية الدماغيّة التي يوظفها الدماغ لدى الأطفال أثناء فترة التعليم. ففي مرحلة الروضة، يتعرّف الأطفال على الأشكال الهندسية من خلال التعميم. فيقال للطفل أن كلّ شكل هندسي له ثلاثة أضلاع هو مُثلّث، فيعمّم الطفل المفهوم.

سناك سوري-ناجي سعيد

حين كانت ابنتي في صفّ الروضة، وكنّا نزور مطعمًا في العاصمة السعودية الرياض، صدف أنّ كان شعاره على شكل مثلّث. فما كان من ابنتي بعد درس المُثلّث إلاّ أن تُعمّم وتقول بثقة حين ترى شعار المطعم: “مُثلّث”! وهذه العمليّة الدماغيّة لا تُشكّل عبئًا مجتمعيًّا، إذا ما تجاوزناها كمرحلة تدعم العمليّة التعليميّة في مرحلة الطفولة. أمّا لو ثَبُتَتْ وترسّخت في الدماغ، وانسحب تطبيقها على التعلّم المجتمعي لتكوين خبرة إنسانيّة، لارتكب الناس الخطأ الفادح، وذلك بتشبيه الناس الأحياء والناطقين بالجماد.

تمامًا كما المثلّثات وباقي الأشكال الهندسيّة. يمكنني أن أجزم بأن التعميم سلوك عنفي يؤدّي إلى التنميط الذي يلغي الهويّة الفرديّة. فالفرد يكابد العناء حين يطرح فكرة مغايرة للهويّة الجماعية. فالتاريخ لن ينسى “جاليلو جاليلي” حين ساقته المحكمة الكنسيّة لمجرّد اكتشافه كرويّة الأرض، وقد اشتهر بالمقولة أثناء سوقه إلى المشنقة: “إنّها تدور رغمًا عن أنوفكم”.

اقرأ أيضاً: عيد الأضحى والذبائح .. ماذا لو كان لا عنفياً؟ ناجي سعيد

لقد حارب علم الإجتماع قاعدة التعميم، بطرحه تقنيّة البحث العملي، فيلجأ الباحث الإجتماعي إلى هذه التقنية العلمية، عند تنفيذ دراسة مجتمعيّة، فيختار عيّنة تُمثّل المجتمع بمكوّناته كافّةً. فتأخذ الدراسة عيّنة تُمثّل طبقات المجتمع المتنوّعة (دينيًّا/ اقتصاديًّا/ ثقافيًّا/ طبقيًّا..). لكنّ التعميم يظهر في أي بيئة غير واعية، يتبعها مباشرةً تنميط مع غياب الوعي والتفكير النقدي.

وقد ذكرت سابقًا قصّة الحاج، حين تعطّلت سيّارته عند مفترق إحدى القرى، وبعد فحص السيّارة من قبل الميكانيكي ومعرفة السبب، عمّم السبب، ليعلن بأن السيارة تُصاب بهذا العطل إذا ما تعطّلت السيّارة عند مفترق هذه القرية!! لم يرتكب أي خطأ الحاج، سوى أنّه لم يدع دماغه يعمل كما يجب. فلو فكّر قليلاً، وفهم بأنّ إهماله العناية بسيّارته هو السبب المباشر للعطل، وليس “مفترق القرية” المذكورة! وهذا تأثير خضوعه للعادة، تمامًا كما يحدث عند الخضوع لظاهرة “التقليد” التي أكّدها أحد علماء الإجتماع.

وقد تعرّفتُ بهذه النظرية أثناء دراستي في الجامعة (ونسيت اسم العالم). ومفاد الظاهرة تُلخّصها الطرفة التي تدولناها أثناء طفولتنا: عن الشخصين اللذين نظّفا مدخنة، وحين انتهيا، نظرا إلى وجهي بعضهما، ذو الوجه المُتّسخ، نظر إلى الآخر وكان وجهه نظيفًا، فلم يُغسّل وجهه، والآخر غسّل وجهه النظيف! هذا التعميم ليس أخطر من التنميط، الذي يُشكّل مساحة آمنة للقاطن في منطقة، حيث يعتبر جميع شركائه في المنطقة نفسها، هم نفس النسخة المُكرّرة، وهذا ما دفع “أوسكار وايلد” لأن يقول: “الرجل الذي لايفكر لنفسه لا يفكر على الإطلاق”.

وهذا دليل قاطع على طمس الهويّة الفردية، التي تخالف الهويّة الجماعيّة. التعميم والتنميط يُنتجان “المنطقة الآمنة” (comfort zone) وهذا يُعطّل التفكير الإبداعي الفردي الذي يحمل مسؤوليّة تطوّر البشريّة، لذا نجد رجال الدين التابعون لعقائد من التاريخ قد يُكفّرون إلى حدّ إلغاء علماء وأفراد تميّزوا، لا بل تجرّؤوا ليقولوا “لا” للنمط السائد، بحجّة أنّ هؤلاء العلماء هم أفراد اختلفوا مع الهويّة الجماعية المسيطرة على عقول البشر.

وقد قال أحد المُفكّرين السورياليين العراقيين من فرنسا وهو في منفاه : ” السائب مُغرض إجتماعي يُجشّم الناس مشقّة فهمه”، والتفسير البسيط لهذا، السائب مصطلح يُستخدم باللهجة العاميّة “السايب”، وله أسبابه الإجتماعيّة الذي يصعب على الناس فهمها! ودائمًا من يحاول أن يطوّر المجتمع بأفكاره الفردية، يصعب على عامّة الناس فهمه! فالإستاذ صيّاح اتّبع عقله ومارس القيم والمبادئ ورفض خطأ وتقاليد الجماعة، فعمّم أبو نمر على الجميع مقاطعته.

اقرأ أيضاً: أنا نباتي وأفتخر – ناجي سعيد 

زر الذهاب إلى الأعلى