يا عمال البطاطا اتحدوا

البطاطا في سهل عكار - أرشيف سناك سوري

عن “أبو أحمد” العامل الذي خانه زملاؤه في ورشة البطاطا

سناك سوري – عامل بطاطا

كان “أبو أحمد” هادئاً ومتزناً طوال معرفتي له، أي منذ أصبحت عاملاً في ورشته (ورشة جني البطاطا)، أربعيني وله عبارة يكررها دوماً حين يتعلق الأمر بالحديث عن رئيسة ورشتنا المستذئبة “محاسن” حيث يلوي فمه بابتسامة ماكرة ويقول “لا غيبة لفاسق”. ثم ينبري في تدنيس تاريخها بلا رحمة. هكذا نحن عمال البطاطا نضيّع طيبتنا في النميمة على الآخرين.

“محاسن” رئيسة الورشة، هي أرملة ستينية لم تتمكن الحرب من قتلها كما فعلت بزوجها، مع ذلك لا زالت قوية، مترجلة ونزقة حيال تقصير العمال، حيث تمتلك وجهاً متجهماً يشبه في قساوته وجه جارتي “هندية”، ولأجل ذلك يطلق عليها العمال اسم “شيخ الجبل” نسبة لبطل مسلسل “الهيبة” الشهير.

تغيرت الأمور بالنسبة “لأبو أحمد” حين مرضت زوجته ولم يقوَ على متابعة تكاليف علاجها، و طوال جنيه للبطاطا كان يغرق في شرود عميق ما يعني للجميع أنه يفكر بحلّ لتعاسته، لم يكن الوحيد في تلك التعاسة، جميع العمال (الثلاثون) هنا لديهم ما يكفيهم من التعاسة ليمارسوا عملهم بقرف في نبش الأرض بحثاً عن البطاطا، أستطيع القول أننا هنا في هذه القذارة والرائحة الكريهة للرطوبة نصلح مجتمعين لفيلم على نمط “perfume” لكن يفضّل أن يكون اسم الفيلم هنا (التعيس والتعيسة والتعيسون) أو (الثلاثون تعيساً)، وهو أمر كان يدفع “محاسن” للصراخ المستمر على العمال طوال النهار تحت أشعة الشمس الحارقة. أما “أبو أحمد” لم يحتمل في ذاك اليوم كل تلك القسوة، وعلى غير العادة حمل قضيب معدني واتجه نحوها وفي نيته الدخول للسجن بعد إدخالها القبر، لولا أن قام العمال بمنعه من الوصول إليها، تفاجأ الجميع مثلي حين ثارت ثائرة هذا الرجل الهادئ المنعزل، وكيف انسحبت رئيسة العمال بهدوء ولم تتفوه بحرف أمام سيل من الكلمات الجارحة، ما حمل العمال لمطالبة صاحب المشروع بتغيير رئيسة الورشة، وبالفعل تم تعيين “أبو أحمد” رئيساً للورشة بدلاً من “محاسن”، فعادت السيدة المستذئبة تكدح كأي عامل آخر في حفر البطاطا من الأرض بأظافرها الخشبية وإطاعة أوامر رئيسها الجديد.

اقرأ أيضاً: لن يلتفتوا لمطالبك إن لم تصرخ وتتلبط أمامهم – شاهر جوهر

بعد أيام علق مئزر إحدى العاملات في مرجلة السيارة فسقط من داخل ثوبها عدة حبات بطاطا كانت قد خبأتها لأولادها بعيداً عن أعين صاحب المشروع فأهانها بقسوة، جميعنا نعرف حال تلك العاملة البدوية، التي بكت خجلاً وقهراً أمام عيون الجميع المتعاطفة معها.

أثار ذلك “أبو أحمد” الذي حمل العمال في اليوم التالي للإضراب لحين تحقيق مطالبهم، وما هي مطالبهم؟ كانت منحنا كيلو بطاطا بعد نهاية كل يوم عمل فوق أجرتنا، بالفعل قبل صاحب المشروع بالمطالب مع اعتذار للعاملة، وجد رئيس الورشة أن الفرصة مواتية، فطلب من صاحب المشروع إلغاء التحرش بالعاملات من قبل سائقي الشاحنات الذين ينقلون الإنتاج للسوق وذلك بمنعهم دخول المشروع لحين انتهاء ورديّة العمل، فتم له ذلك بالفعل و بدون جدال.

لقي “أبو أحمد” محبة واحتراماً كبيراً من الجميع، لكن في أيام قليلة تغير كل شيء، فمع انهيار سعر صرف الليرة وارتفاع كيس السكر خلال الأسبوع الفائت لأكثر من سبعين ألف ليرة وجد الجميع أنفسهم يعملون كالبغال لقاء أجرة 3000 ليرة من الصباح حتى المساء، فطالب العمال من رئيس الورشة التفاوض مع صاحب المشروع لرفع الأجرة، والذي غضب من تزايد مطالب الورشة وبات يروي للعمال كيف أن العاطلين عن العمل أكثر من حبات البطاطا في السوق وأن العمال في الورشات الأخرى تعمل ضعف الجهد والوقت الذي تعمل به ورشتنا وتنال نفس الأجر وأقل من ذلك أيضاً، ومع ذلك قرر الجميع الإضراب وعدم متابعة العمل لحين زيادة يومية العامل إلى 5000 ليرة بدل 3000.

اقرأ أيضاً: من لايرضى يعيش أفضل -شاهر جوهر

وبالفعل التزم الجميع بالإضراب لكن ليوم واحد فقط بعد أن قام صاحب المشروع بزيادة الأجرة 500 ليرة فقط وهدد بطرد الجميع إن لم يعودوا للعمل، فعاد الجميع باستثناء “أبو أحمد”، ليس لأنه لا يرغب في العودة بل لأن صاحب المشروع قام بطرده، كما عادت “محاسن” كرئيسة للورشة أصلب وأكثر قسوة من ذي قبل وعاد معها المديح والتملق الذي لا ينقطع من قبل العمال، ومن أقسى ما سمعت حين قالت لها العاملة البدوية: (من رحتي راح الخير).

الجميع خان “أبو أحمد” ومن بينهم أنا، يعيد لي “أبو أحمد” ما قاله المفكر أنطون سعادة ذات مرة “الأمم الغبية تفعل برجالها ما يفعله الأطفال بلعبهم، هم يكسرونها ثم يبكون طالبين غيرها”. واليوم جميعنا كسرنا “أبو أحمد” الطيب.
في حين ينتسب صاحب المشروع فعلاً وشكلاً لسلوك حكومات بلادنا المتواترة، فمنذ خمسين عاماً والبروليتاريا المحلية تطالب بتحسين مستواها المعيشي، ومنذ خمسين عاماً أيضاً وحكوماتنا الاشتراكية تجيبهم بنفس الجواب وبلا ملل في النشرات الحزبية والتقارير الحكومية: (1787، 1826، 1836، 1847، 1857، 1864، 1873، 1882، 1890، 1900، 1907، 1913، 1920، 1929، 2008، 2020).

أي أنها تريد أن تخبرنا من ذكر أعوام الأزمات الاقتصادية أن أزمتنا المعيشية التي نعيشها اليوم مردها الرأسمالية المتوحشة والمتآمرة، و أن حالنا أفضل ألف مرة ممن هم سوانا في (الورشات المجاورة) أي دول الجوار.

اقرأ أيضاً: مسيرة حافلة في تخدير الشعوب عفواً الأوجاع – شاهر جوهر

المقالات المنشورة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الموقع