هل تعوض “نور” أمها عن إخوتها الذين سرقتهم الحرب … قصص نساء سوريات

“رنا” الجبلاوية لا تشعر بالأمان في “جبلة” وتفضل العودة لمدينة زوجها في “إدلب”، و”نسرين” الحلبية لا تخطط للعودة إلى “حلب” قبل تخرج أبنائها من الجامعة

سناك سوري-عفراء بهلولي

دفنت أطفالها الـ3 قبل يوم واحد من وصولها إلى مدينة “جبلة” قادمةً من مدينة “حلب”، تقول “نسرين” وتضيف: «خرجت لأجلب أي فتات أطعم به أولادي وأثناء عودتي سقط ماكنا نسميه براميل جهنم (تقصد القذائف) على منزلي في منطقة “صلاح الدين”، صعدت مسرعة وأنا غير مصدقة لأجد أطفالي الثلاثة مرميين تحت كومة من الحجارة والغبار لاشيء ملون بالمشهد سوى الدم الذي غطاهم وغطى أرض المنزل».

تتحدث “نسرين” بينما تكنس أرض منزلها الجديد في مدينة “جبلة”، كان يبدو أنها لا تكنس الغبار بقدر ما تكنس ذكرياتها المؤلمة، تضيف بعينين غلبتهما الدموع: «وصلت الى “جبلة” في يوم ممطر كنت غريبة أنا وزوجي وطفلي وابنتي الكبيرة الذين نجيا من القذيفة، وقفنا في دوار العمارة ونحن لا ندري إلى أين نتجه، قبل أن يقترب أحد رجال المدينة وينقذنا من التشرد، أسكننا في منزل كان يجهزه لابنه لمدة ثلاثة أشهر دون أي مقابل حتى استقرت أحوالنا واستطعنا أن نجد لنفسنا منزلاً هنا بدأت أكتشف أحلامي في هذه المدينة وتعلمت أشياء لم تكن مسموحة في منطقتي».

تتذكر “ياسمين” تلك الأحداث التي جرت قبل حوالي العامين، وتقول إن الله عوضها بطفلة جميلة أسمتها “نور”، وتضيف: «لقد رأيت النور على وجهها في هذه المدينة».

لكن المآسي ترفض منذ أكثر من 7 أعوام ترك السوريين وشأنهم، و”نسرين” إحداهم، ففي يوم ظنت أنه سيمضي جميلاً دون مصيبة، حدث ما لم يكن يخطر ببالها، تشرح ما جرى لـ”سناك سوري”، قائلةً: «تزامن خروج الأولاد من المدرسة بمرور طائرة حربية، فما كان من ابني الذي خاف منها إلا أن قام بالاختباء في خزان الكهرباء فصعقته وفقد الطرف السفلي من قدمه».

تنظر إلى جارتها “رنا” وتقول: «هالحرب متل اللعنة لازم تصيب الكل وتضل تلف علينا واحد واحد».

يعمل زوج “نسرين” في معمل للمنظفات، بينما كان يمتلك معمل حلويات في “حلب” قبل الحرب، ولا تفكر بالعودة حالياً إلى مدينتها فالمنزل مدمر يحتاج الكثير من الإصلاح والبناء، وأولادها اندمجوا بشكل كبير مع أطفال المنطقة هنا، كما قالت قبل أن تقاطعها جارتها “رنا” قائلةً: «قصدك اندمجوا كل أطفال البلد ببعض، هون بجبلة بتشوفوا من حلب وإدلب وحمص والرقة والدير».

تومئ “نسرين” برأسها موافقة على كلام جارتها وتقول: «ابنتي الكبيرة طالبة جامعية ولا أريد أن تخسر تعليمها بسبب عودتنا إلى حلب أتوقع أن أبقى هنا إلى حين تخرج أولادي من الجامعات فأنا خططت للبقاء وتعليمهم».

اقرأ أيضاً: على طريق الشام … عفراء بهلولي

تعترض جارتها “رنا” من “جبلة” متزوجة في “إدلب”، على الفكرة مبديةً رغبة كبيرة بالعودة إلى مدينة زوجها، تقول لـ”سناك سوري”: «أرغب بالعودة اليوم قبل غد إلى مدينتي.. لا أشعر بالأمان هنا فقد تزوجت قبل عشر سنوات بشخص من طائفة ثانية».

تتذكر “رنا” كيف قاومت والدها وإخوتها وتزوجت رغماً عن إرادتهم، تضيف: «لا أحتمل نظرات جيران أهلي ومعارفي بعد أن وضعت الحجاب وعدت مضطرة إلى جبلة، بعد سيطرة فصائل إسلامية على إدلب».

خرجت “رنا” من “إدلب” في أحد أيام عام 2015، تقول إنها خبأت بطاقتها الشخصية في ملابس طفلتها الرضيعة خوفاً من مقاتلي الفصائل، تضيف: «أثناء هروبي أنا وزوجي لم أنتبه سوى لفكرة إخفاء هويتي الشخصية بسبب وجود مكان تولدي عليها وأثناء انشغالنا انتبه المهرب إلى وجود أساور ذهبية في يدي فقام بتخليصي إياهم، وصلنا إلى ريف حلب وهناك بقينا لمدة أربع أشهر في محاولات يائسة للخروج من هناك ».

الوصول إلى “جبلة” من “ريف حلب” لم يكن أمراً هيناً عام 2015 حيث كان مقاتلو المعارضة يسيطرون على أغلب الطرق الرئيسية، لذلك كان أمر وصول “رنا” إلى مدينة أهلها أمراً صعباً حتى التقت بأحد عائلات “الرقة” الذين كانوا متوجهين إلى “جبلة”، فعرض رب الأسرة عليها أن تخفي هويتها وتقول إنها أحد بناته، تضيف: «بقيت ثلاثة أيام وأنا أقوم بتحفيظ أطفالي أسماء عائلتي الجديدة في حال قام المسلحين بسؤالهم».

لم يكن الوصول إلى مسقط رأسها أمراً هيناً بعد كل تلك السنوات، لقد رفض والدها وإخوتها مقابلتها، واشترطوا عليها أن تعود لـ”رنا” القديمة، بملابسها وتصرفاتها، قبل أن يرضخوا أخيراً للأمر الواقع على مبدأ “الضفر ما بيطلع من اللحم”، تضيف: «علاقي بأخوتي جيدة وكذلك أمي ولكن أرغب بشدة بالعودة إلى إدلب القديمة قبل الحرب، حين كنت أعيش مع عائلتي بسعادة كبيرة».

اقرأ أيضاً: “أم عمار” وداعش …. نظرة الوداع الأخيرة!

المقالات المنشورة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الموقع

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *