من يعطي الأوامر للدماغ بالحركة.. ناجي سعيد

ناجي سعيد يكتب عن مفهوم “المُخير والمُسير”

سناك سوري – ناجي سعيد

يُعتبر الدماغ من الأعضاء الرئيسيّة في جسم الإنسان، وهو بمثابة مايسترو يعطي الأوامر “بيولوجيًّا” لباقي أعضاء الجسم كي تتحرّك، ولكن من يعطي الأوامر لهذا المايسترو بالتحرّك؟ هل هناك مايسترو آخر يعطي الأوامر له؟.

بالطبع لا عِلم لنا بالغيب، ولن نناقش من الموضوع جانبًا يفضي بنا إلى التسليم بالغيبيّات، ليس موقفًا هذا، بل لأنّنا نؤمن بالعلم، ومن وجهة نظر علميّة -وليس هذا تسليمًا بشيء- فالاحتمال الأقرب للتصديق العلمي، هو أن الدماغ لديه القدرة على إعطاء الأوامر لنفسه. كما يستطيع الإنسان من خلال التأمّل والتفكّر أن يخاطب ويحاكي نفسه.

ويمكن أن نستنتج هنا، أن الوعي مختلف عن الوعي بالذات، فالمصطلح الأوّل (الوعي) يتراكم من خلال ما يجمع الإنسان من حاجات غير فيزيولوجيّة، تساهم بالضرورة ببناء الذات. مثل تقدير الذات وتحقيقها، وقد يتعثّر هذا الوعي “بوحل” الجماعة، فتستسيغ “الأنا” هذا الطعم، الذي قد يكون ضارًّا للأنا على الرغم من مذاقه اللذيذ.

اقرأ أيضاً: عندما كانت رقبتي سيبة ورأسي لوحة فنية… ناجي سعيد

إذًا، الوعي مُصطلح تُشكّله الجماعة ليستعمله الفرد، ومن المفترض أيضًا وبشكل علمي، أن يسبق مصطلحَ الوعي وعيٌ بالذات، فكيف لإنسان يستخدم وعيًا موجودًا بداخل ذاته، أن يستخدمه دون أن يعي ذاته الحاملة لهذا الوعي.

وعذرًا للتشبيه، لكن بالمجال العسكري، نجد في الجيش مُقاتلين يستعملون الأسلحة، ونجد متخصّصين وخبراء بالأسلحة، مُهمّتهم توجيه وإرشاد المقاتلين لاستخدام الأسلحة كما يجب. وبهذا التشبيه المُزعج، لا أتحدّث عن العنف الذي فيه وما يُنتجه من خراب، فليس هذا موضع بحثي. بل “للميكانيكيّة” في تشبيه العمليّات. ومحور تساؤلي، عن الطريق التي يتبعها الدماغ بمعزل عن معرفة ذاته، فمن الطبيعي أن يسترسل الدماغ بتوجيه النقد، لا بل بإتباع سلوك تنفيذي لهذا النقد، فلا يكفي أن يقول بأن مسار التفكير خاطئ، بل يشرع بتنفيذ البديل الذي يجده مناسبًا.. بحسب رأيه.

وعلى الرغم من جهلنا بمصدر تصويب الخطأ وإستحضار رأي خاص بالدماغ الذي يُعتبر مجرّد عضو بيولوجي موجود عند الإنسان هذا بمعزل عن تسليم الدفّة للتفكير الغيبي، فإنّ الخضوع المباشر يكون علميًّا.

فكيف لإنسان “محبوس” داخل جسده أن يخرج منه، ويواجه ذاته البيولوجيّة، المدعومة من جوانب أخرى بالذات ( إجتماعي/ روحاني)، لا بل أيضًا لا يستطيع أن يوجّه التعليمات لدماغه كي يعمل. هل يبقى حيًّا من يفصل دماغه عن جسمه؟ مع العلم أن الفكرة، كفكرة وهميّة تخيُّلية تحدُث. والمثال على ذلك كما كانوا يقولون لنا عندما نشاهد مباريات ما يُسمّى المصارعة الحرّة على التلفاز، فالمصارع يتدرّب عن طريق اليوغا على فصل دماغه وتفكيره عن جسمه كي يقوى على تحمّل الضرب بقساوة وعنف، كأنّ أحدًا لا يضربه.

خلاصة حديثي، واهمٌ من يعتقد أنّه حُرّ. فالدماغ الذي يوحي له بمفهوم الحريّة، أو حتّى سلوك الحريّة، لا يعمل إلاّ وفق برمجته دون أن نتدخّل بصلاحيّات المُبرمج الأوّل، ونظنّ أيضًا -علميًّا- كي لا نُرمي بثقلنا على الله، بأنّ الإنسان هو مرآة تعكس ما نُقشَ به عندما كان صغيرًا. فمجموعة المفاهيم والأفكار والقِيم التي يتربّى عليها أي طفل، تتحوّل إلى دليل يُسيّره كإنسان ناضج، لنكشف جزئيًّا عن الإجابة على السؤال الفلسفي: هل الإنسان مُخيّر أم مُسيّر؟ فهو مُخيّر بأن يكون مُسيّرًا لطريقة عمل دماغه!!

اقرأ أيضاً: عقدة اللغة والهوية … ناجي سعيد

المقالات المنشورة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الموقع