ليلة المدفعية.. 40 عاماً على المجزرة التي أحدثت تحولاً في سوريا

مات “إبراهيم اليوسف” قبل 39 عاماً وعاد في غزوة 2016 على كلية المدفعية

سناك سوري – دمشق

كانت الساعة الواحدة من فجر 17 حزيران 1979 عندما رن هاتف الرئيس السوري الراحل “حافظ الأسد” الذي يقوم بزيارة إلى العراق لترتيب إجراءات الوحدة بين البلدين الجارين، كان المتصل “حكمت الشهابي” رئيس أركان الجيش السوري ليبلغه بخبر شكَّل نقطة بداية لمسار عنف طويل في سوريا.

40 عاماً على هذا الخبر

في ليلة صيفية من ليالي “حلب” قام النقيب “ابراهيم اليوسف” وهو الضابط المناوب في كلية “المدفعية” بدعوة طلاب الضباط الذين كانت تتراوح أعمارهم بين 18 و20 عاماً على أبعد تقدير، لاجتماع مع مدير الكلية وهو إجراء روتيني ومعتاد في هكذا دورات، وعلى إثر الدعوة توافد مئات الطلاب الضباط للاجتماع في القاعة.
كان “اليوسف” يُعد لمذبحة وحشية مع رفقاءه في “الطليعة المقاتلة” لجماعة “الإخوان المسلمين”، مذبحة شكلت نقطة بداية لعشرات المذابح الأُخرى وجرَّت البلاد إلى مواجهة بالحديد والنار.

اقرأ أيضاً: “أسعد الشفتري” مراجعات مُحارب ومسؤول جهاز أمني في الحرب

اجتمع الطلاب في تمام الساعة السابعة والنصف من مساء 16 من حزيران 1979 تنفيذاً لأوامر الضابط المسؤول عن أمنهم وحمايتهم وسلامتهم فهو بالنسبة لهم في هذا العمر “مثل أخ كبير”، وانتظروا دخول مدير الكلية عليهم.
ماهي إلا دقائق حتى دخل مجموعة من المسلحين بلباس عسكري يتقدمهم “عدنان عقلة” المسؤول في “الطليعة المقاتلة” الجناح المسلح “للإخوان المسلمين”، وقف المهاجمون أمام الطلاب الضباط العزل…. وقبل لحظات من ارتكاب المجزرة قاموا بتمييز الضحايا “طائفياً” … ثم أفرغوا رصاصهم في صدورهم وقلوبهم ليقتلوا شبابهم ويفتحوا النار على البلاد كلها.
كان ضحايا “الطليعة المقاتلة” في مجزرة “المدفعية” شباناً في بداية حياتهم، لم تكن قد اكتملت معرفتهم العسكرية، ولم يكونوا قد شاركوا في أي مهام بعد، كانوا في مرحلة التدريب الأولى ليكونوا ضباطاً في جيش بلادهم… إلا أنهم كانوا ضحايا “المجزرة” وبقيت ذكراهم لتدل على وحشية الحدث الذي شابه كثيراً أحداثاً أخرى سبق أن قام بها الإخوان في مصر في عهد “عبد الناصر” وبعده.
تزامنت المجزرة مع توقيع اتفاقية “كامب ديفيد” التي وقعها الرئيس المصري “أنور السادات” مع الاحتلال الإسرائيلي.. يقول وزير داخلية سوريا آنذاك “عدنان دباغ” معلقاً على جرائم الإخوان حينها: «لقد تحرك هؤلاء بعد اتفاقية سيناء مباشرة وتصاعدت أعمالهم الإجرامية بعد زيارة السادات للقدس ثم بعد توقيع اتفاقيات الذل والعار مع العدو الصهيوني. وبدأوا بمسلسل الاغتيالات في بعض المدن السورية وفي حلب وفي حماة وفي دمشق. وكان من ضحاياهم أبرياء يعملون في شتى الأعمال الوظيفية وفي مؤسسات الدولة المختلفة».

اقرأ أيضاً:تعرف على حركة “الزنكي” التي تقاتل “النصرة”.. تاريخها.. أبرز محطاتها.. وبماذا ارتبط اسمها؟

لم تنكر “الطليعة المقاتلة” فعلتها بل تبنتها بكل علانية، وكتبت على سبورة القاعة التي حدثت بها المجزرة أنها “الفاعل” وهو ما أكده لاحقاً “عدنان عقلة” وباقي أفراد التنظيم بمن فيهم “إبراهيم اليوسف”.
شنت السلطات السورية حملة اعتقالات وملاحقات بحق عناصر التنظيم بعد المجزرة التي تبعتها مجازر أخرى منها “مجزرة الباصات”، وعلى إثر ذلك هرب قادة الجماعة إلى خارج البلاد وتركوا “عناصر الطليعة المقاتلة” ما أثار امتعاضهم الشديد ودفعهم للهجوم على قيادة الجماعة الهاربين، يقول “عدنان عقلة” في رسالته الشهيرة بتاريخ “11/6/1980” أي بعد عام من المجزرة مخاطباً قادة الجماعة الهاربين:« ومن غادر البلاد دون إذن مسبق من قيادة الطليعة، متولٍ من الزحف يحتاج إلى توبة جديدة… ويستوي في هذا كل الناس وراء الحدود… واستفتوا أنفسكم»!.. في حين حاول الهاربون تبرئة الإخوان من المجزرة وقالوا في بيان لاحق إنه لاعلاقة لهم بها وأن«الحكم السوري قد أوجد له كثيراً من الخصوم الذين يؤمنون باستخدام العنف».
تمكنت السلطات السورية من تقفي أثر مرتكبي المجزرة واحداً تلو الآخر فوصلت إلى “عبد الراشد حسين، وماني خلف، ويحيى النجار” خلال ساعات وألقت القبض عليهم وحوكموا وأعدموا، ومن ثم لاحقت”حسن عابو” وكان قائد التنظيم في حلب حيث تم اعتقاله وإعدامه بعد محاكمة، من ثم خاضت مواجهة مسلحة مع مسهل دخولهم للكلية وعراب المجرزة “ابراهيم اليوسف” في أحد منازل “حلب” وقُتل هناك.. وكذلك قتل “عدنان عقلة”.

اقرأ أيضاً: معلومات تكشف لأول مرة عن مقتل زهران علوش وقادة أحرار الشام

قبل مقتل “اليوسف” اعتقلت السلطات السورية زوجته “عزيزة جلود” التي كانت حاملاً بنجلها “اسماعيل” وبقيت في السجن ثلاثة أشهر قبل أن يُطلق سراحها وتُنجب “إسماعيل”، وقد تابعت حياتها، حتى أنها في عام 2013 أدلت بشهادتها عن لقاءات بين زوجها وشقيق مرشد الإخوان “علي صدر الدين البيانوني”، وقالت إن هذه اللقاءات تمت في بساتين حلب وكان سببها رغبة “البيانوني” بتوسيع الكتلة البشرية العسكرية للتنظيم وضم “800” مقاتل جدد… ومن ثم تقول “جلود” إن “البيانوني” والقيادات التي معه تركت الشبان المقاتلين لمصيرهم وهربوا إلى الخارج.
شكلت مجازر الطليعة مبررات للسلطة لكي تفرض قبضة حديدية لم يعرفها السوريون بهذا الشكل خلال المراحل السابقة من حكم البعث… وأسفرت المواجهات مع طليعة الإخوان عن خسائر بشرية كبيرة نتيجة العنف المستخدم، إضافة للاعتقالات التي استمرت طويلاً بينما هرب عناصر من التنظيم مع عائلاتهم إلى الخارج خصوصاً الأردن والعراق، وبقي ملف الأخوان مفتوحاً طوال 40 عاماً دون أن يتم تفكيكه وحله.

اقرأ أيضاً:الدرس القاسي.. في ذكرى آذار 2011

“اليوسف” مات ولم يمت..

في عام 2016 وتحديداً في شهر آب.. عاد “ابراهيم اليوسف” إلى كلية المدفعية من جديد ليس بشخصه إنما بموروثه السلوكي العنفي، حيث أطلقت فصائل المعارضة السورية “الراديكالية” والمنتمي بعضها لفكر طليعة الإخوان المسلمين أطلقت اسمه على هجوم شنته على كلية المدفعية في “حلب” (غزوة ابراهيم اليوسف)… الكلية ذاتها التي ارتكب فيها “اليوسف” مجزرته، وتكرر المشهد من جديد حيث أودى هذا الهجوم بحياة عشرات الطلاب الضباط والمجندين المرابطين في كلية المدفعية.
نجل “إبراهيم اليوسف” ويدعى “ياسر” تابع السير على خطى العنف الذي انتهجه والده، وأضحى قيادياً في تنظيم “نور الدين زنكي” أحد حلفاء جبهة النصرة (تنظيم القاعدة) وأحرار الشام، كما شارك في معارك كلية المدفعية، وشكل تنظيمه لاحقاً تحالفاً مع حركة أحرار الشام وكلاهما من خلفية إخوانية في مواجهة “جبهة النصرة” إلا أن الأخيرة تغلبت عليهم ودفعتهم للاستسلام.

العنف الذي ولده “الإخوان”

أغرقت طليعة الإخوان البلاد بالعنف والعنف المضاد، وتسببوا بزهق مئات الأرواح وتشريد الآلاف باستخدامهم “العنف والإلغاء كنهج”… فكانت أحداث الثمانينات قاسية بكل مالكلمة قسوة من معنى … إلا أن قساوة تلك الأحداث لم تحل دون تكراراها عام 2011… وعاد العنف والإلغاء ليكون وسيلة للتعاطي… العنف والإلغاء الذين دفع السوريون ثمنهما غالياً جداً ومازالوا يدفعون…

اقرأ أيضاً: اللاعنف: الخيار المُغيَّب…! اليوم العالمي للاعنف

المقالات المنشورة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الموقع