عن آخر قبائل النام نام…. الموت مر من هنا ومكث

الفنانة نجاح العبد الله في دور ضباع، وقد فقدت أبنائها في حرب البسوس بين أخوتها وأبناء عمها - صورة تعبيرية

عن أمهات وعوائل أضاعوا أبنائهم في الحرب فضاعت عقولهم معهم

سناك سوري – شاهر جوهر

فوق تلة صغيرة تشرف على سد “الوحدة” جنوب غرب البلاد جلستُ في عام مضى وحيداً أنتظر مع آلاف النازحين “الفرج”، ذاك “الفرج” الذي لن يأتي قريباً، شأنه شأن النيزك الذي تأخر، هناك و كل يوم أراقب تلك السيدة التي تجلس قرب بركة ضحلة قرب السد، كنت أعرف أنها نزحت هاربة من “مخيم اليرموك” بـ “دمشق” لتحمي أطفالها من الحرب، لكنها بعد أيام من قدومها أضاعت طفلها ذو العشر سنوات وحين بحثت عنه وجدته غريقاً وقد التهمت أسماك السد عيناه وأذناه، هل تعي ما يعنيه أن تحمل أم صغيرها بعينان مجوفتان؟ أصيبتْ بالهلع، ركضت هاربة، مبتعدة، تصرخ بأمومة منكِرة لمصيبتها (ليس ابني، هذا ليس ابني)، أمضت شهوراً عدة لتخرج من تلك الحالة، وحين باتت تتماثل للشفاء، خسرت ولدها الآخر حين خرج للعمل ولم يعد من حينها، بحثت عنه القرية في كل مكان لكن لا خبر عنه حتى اليوم .

اقرأ أيضاً:آخر رسائل الجنوب – شاهر جوهر

عزيزي القارئ، في القرون المتأخرة نسبياً كانت قبائل النام نام (وهي آخر القبائل الآكلة للحوم البشر) إن أرادت أن تكرم أسيرها تقوم بالتهامه حيّاً، كما كان العرب قبل الإسلام إن عفو عن شخص جزّوا بسيوفهم ناصيته، وفي القرون الوسطى، لم تكن توبة التائبين منجية من محاكم التفتيش، كانت تخفف عنهم الأحكام من الموت بأبشع الطرق للسجن المؤبد بأبشع السجون، كما كان يعلّق المعارضون على أعواد المحارق (كما حدث مع اتباع الراهب فرنسيس الإيطالي 400 – 1400 م)، وفي أماكن أخرى في القرون المتقدمة كان نصيب الشهود أكثر لطفاً من المتهمين فقد كانوا يذبحون للخشية من كونهم متسامحين.

حين نعود لبعض تلك الفترات التاريخية نقول في مواساة إننا لسنا أول من يباد، لكن المرعب هنا أن كل ذلك حدث دفعة واحدة في بلادنا الفقيرة، هذه البلاد التي ثكلت مجدها و لم تكن راضية عن هذا الكابوس الذي عاشته وحدها لسنوات.

خلال السنوات الماضية رأينا الكثير، لكن ما هو فظيع حقاً ليس فقط من ذبحوا بالسكين وعيونهم الدامعة مثبتة على وجوه أمهاتهم وإخوتهم، بل من لازالوا أحياء و لم يتمكنوا من تحمّل كل ذلك لأحبائهم، فساحوا في الطرقات كالمجانين.

اقرأ أيضاً:زوجتي ستحلبني إن عدت بلا “البقرة”.. كله من “ترامب”!-شاهر جوهر

عمّن تريدون أن أحدثكم إذاً، أعرف أشخاصاً كثر هنا ذبحوا بدم بارد وعلى البطيء، ولازال أحبائهم خلفهم يذرفون دموعهم السخية لرحيلهم، هل أحدثكم عن جاري المدرس الخمسيني الذي لم تحتمل روحه كل تلك الفوضى فتهوّشت لحيته وراح يلاحقه أولاده عارياً في الحارات والأزقّة، أم تريدون أن أحدثكم في ذاك العام كيف صال مقاتلين لداعش قريتي في الجنوب ثم قاموا بنحر وحرق ستة شبان كانوا يلعبون ورق الشدة، ثم قاموا بأسر الشاب السابع، و بعد مدة قاموا بإعدامه رمياً بالرصاص بإصدار مرئي مريع، فهامت والدته بين الناس تبحث عنه كالمجانين، أم تريدون أن تعرفوا كيف جزّت إحدى الفصائل المسلحة قبل عدة أعوام عنق شاب نازح بطريقة شنيعة ثم طافت برأسه في المدينة لاتهامه بالتجسس، فأصيب على إثرها أخيه بنوبات عصبية لشهور، فكانت عيناه الطافحتان بالتعب تقولان للجميع : «ليس الموت ما يؤلم، إنما الطريقة».

هل تريدون أن تعرفوا أكثر؟، هل تريدون أن تعرفوا كيف نجوع اليوم، كيف نقاتل الحياة حفاة لنيل رغيف الخبز، الأفضل ألا تعرفوا، أحياناً المعرفة موجعة أكثر من جهلنا للحقيقة، فالجميل أن الله وهبنا ذاكرة قصيرة، فذاكرة الشعوب القصيرة هي نعمة من الباري، لكن ذلك لا يعني أن ننسى ما حدث.

اقرأ أيضاً:سبب مقنع للجوء … شاهر جوهر

المقالات المنشورة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الموقع