عقدة اللغة والهوية … ناجي سعيد

سناك سوري – ناجي سعيد

إنّها الذاكرة، دفعت عقله إلى منطقة الشرود، عوضًا عن التفكير في الإجابة على سؤال ( بصيغة المزاح) من مسؤول عمله في جمعيّة أجنبية، يتبادل موظفوها اللغة الإنجليزية بدل الألمانية لأن الموظفين العرب لا يتقنون الألمانية: ” بدّك تشتغل لتطوّر لغتك الإنجليزية”.

بدأ يبحث في أزقّة ذكريات الطفولة عن السبب الذي شيّد حاجزًا نفسيًّا بينه وبين اللغة الفرنسية التي كان يتعلّمها أثناء اعتقاله الضروري، كتلميذ عليه تحصيل العلم، كنوعٍ من أدوات بناء الشخصية، وذلك لإثبات هويّة فرديّة كل ما يحيط بها يخوض غمار هذا المجال بطريقة ببّغائية، دون السؤال حتّى لماذا هو يتعلّم؟.

أثناء طفولته، كانت الرحلة تقتصر على السير في دروب الخيال دون الإستناد إلى مخزون المعرفة السابقة، حيث لم يكن في سنّ مكّنه من تخزين معرفة حاليّة حينها لتصبح سابقة الآن. فكانت الإجابات تسبح في فلك المخيّلة، حيث تتكاثر التساؤلات التي لا نهاية لها، إلاّ بالنوم الذي كان يحوّلها ليلاً إلى أحلام أو كوابيس. لم يكن يُدرك أن هذه المخيلة، والتي كانت سببًا في تأرجح أفكاره، كانت ميزة هذه المرحلة العمرية، حيث اعتقد أنّه “متميّز” عن الآخرين. مع أنّ خاصيّة المخيّلة وكثرة التساؤل موجودة لدى الأطفال كافّة.

كلّ ما تذكّره من الطفولة أنّ الأكبر سنًّا منه والذين سبقوه للوصول إلى المرحلة المتوسطة في التعليم والتي تلي المرحلة الابتدائية، كانوا يتباهوا في خوفهم من أنّ في المرحلة المتوسّطة  معلّمة اللغة الفرنسية ” ما بتحكي إلاّ فرنسي، وإذا حدا من الأولاد حكي عربي بتعمل حالها مش سامعة..”

بدأ يسأل نفسه، وبصراخ داخلي لم يكن يسمعه أحد. ” لماذا هذا البلد بالذات (لبنان)؟” ، ” لو أنّ الاستعمار أكمل مهمّته، كما في دول عربية أخرى، كتونس والجزائر والمغرب، لأصبحنا نتكلّم اللغة الفرنسية بطلاقة”.

اقرأ أيضاً:بين التعليم والترويض .. ناجي سعيد

لم يكن يهتمّ بالرواية التاريخية، ولم يكن يهمّه بأنّ الاستعمار الفرنسي خلّف وراءه دستورًا أغرق الأطراف المتنازعة في حربٍ أهلية دامت حوالي الخمس عشرة سنة، وانتهت دبلوماسيًّا لصالح الزعامات السياسية، دون مصارحة ومصالحة شعبيّة وأهليّة حقيقية.

حتّى مأساة الحرب لم تكن تشغله حينها. بل كان يتساءل: هلّ حقًّا أنّ هويّة الإنسان تبدأ من جرحه الداخلي؟

وكان يسعى لتفسير ذلك بأسئلة مباشرة وبسيطة نوعًا ما. هل اصبح اتقان لغة أجنبية (فرنسية أو إنكليزية) هو مؤشّر يعكس هويّته أو ثقافته أو ما شابه. أم أنّ اتقان اللغة الأجنبية هو مؤشّر على التواصل الحيوي مع ثقافات أخرى؟ كلّ ما يزعجه بالأمر هو فئة من الناس تتّخذ من اتقان اللغة الأجنبية مظهرًا يدلّ الآخرين على شكل رقيّهم وتحضّرهم.. مع العلم أن الحضارة  والرقي والتمدّن ليس شكلًا ولا لغةً ولا ثيابًا تحمل “ماركة” وثمن باهظ.

ومن “المتثقّفين” في وطننا من يتميّز بانتقاده “للموضة” السائدة بأن يؤيد أغنية الفنان الساخر من تعدّد الهويّة اللغوية ” هاي كيفك، سا فا ” فيصاب النقد البنّاء بمرض الموضة السائدة ( fashion).

يهدأ خياله قليلًا، ليفسح المجال امام الحوار الداخلي، وذلك للتأكيد على صوابيّة الجواب لأسئلته الداخلية، بأنّ انتقاده لإتقان اللغة الأجنبية ناجمٌ عن قصوره في إتقانها (فهمًا ومحادثة)، فهو إلى الآن رغم معرفته الكثير من المصطلحات بالأجنبية، إلّا أنّه يستخدم منطقة الترجمة إلى اللغة الأم، ومن ثمّ يحاول التعبير عمّا يريد بإدخال رأيه في نفق الترجمة الذهنية قبل دفعها إلى منطقة التعبير اللغوي.

هل هو عيبٌ، ونقص بالقدرات ،عدم إتقانه لغة اجنبيّة؟ أم عائق تمسّكه بهويّته العربية اللغة يمنعه من “التاجنب”؟..

الكثير من الأسئلة غير المقنعة لأصدقائه ومعارفه عن موضوع فخره بهويتّه العربيّة. لكن ما يفعله الآن إمّا ان يكتب وينشر عن هذا الموضوع، أو يتبع application على هاتفه الذكي ليتعلّم اللغة ويتقنها.

اقرأ أيضاً: مساحة تأمل …. ناجي سعيد

المقالات المنشورة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الموقع

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *