عذراوات ضحايا جرائم شرف… والأعداد في إزدياد خلال الحرب

القاتل "بشار بسيس" يقتل شقيقته بعد اتهامها بإهدار شرف العائلة مع ضابط تركي في شهر تشرين الأول عام 2018

نعيم: هذا فعل انتقامي بلا شرف… الشاعر .. إنها إمعان في السلطة الذكورية

سناك سوري-رهان حبيب

أخبرها في محادثة عبر المسنجر أنه سيرسل لها مبلغاً من المال مع أحد أقاربه كمن رتب كميناً لها، وطلب من إخوتها وأهله أن يراقبوها ناقلا لهم شكه بها، وهذا ماحدث فعلاً وانتهى الأمر بمقتلها.

هي قصة إحدى ضحايا جرائم الشرف العام الفائت التي تسببت بموت الفتاة على يد أخيها، الأخ رفض في البداية إلا أن والده هدده وطلب منه غسل العار وبالفعل غسله بقتل شقيقته “أ. ع” أم لثلاثة أطفال وتم التكتم عن حديث الزوج واكتفوا بتسجيلها جريمة شرف.

هذه واحدة من جرائم الشرف التي تم توثيقها بينما تمر عشرات الجرائم الأخرى دون أن يتم توثيقها، يقول أحد النشطاء في حديثه لـ سناك سوري مفضلاً عدم الكشف عن اسمه:« إن الجرائم المسجلة لدينا ليست جميع الجرائم الواقعة فعلياً فهناك جرائم تقع وتمضي دون أن يتم تثبيتها أو ذكرها وتنتهي محلياً».

أحدث الجرائم

استفاق أهالي السويداء قبل قرابة 20 يوماً على نبأ العثور على جثة “ن,ح” من قرية “ملح” وقد قتلها شقيقها بداعي “الشرف” ومن ثم سلم نفسه للقضاء كرسالة للتباهي بما جنت يديه وحولتاه إلى قاتل.

ناشطة اجتماعية في المحافظة قالت إن الجريمة سببها الرئيسي ليس “الشرف”، وأضافت إن حادثة القتل جاءت على خلفية الإرث وطمع الأخ بحصة أخته التي فقدت زوجها منذ عدة سنوات في ظروف الحرب وقامت على رعاية بنتين وولد، لتكون الأخت ضحية طمعه وزيادة على قتلها قتل شرفها لينجو بأقل العقوبات.

فهل نحن أمام ظاهرة تتطور بعودة واضحة للخلف بفعل واقع أنتجته الحرب؟، أم أن جريمة الشرف حامل لغايات عدة والشرف وإهانة الشرف والقتل بفعل الشبهة أيسرها؟.

اقرأ أيضاً: “الحسكة”.. قتلها قريب زوجها ذبحاً بعد أن استمع لـ”شائعات الناس”!

متزوجات وعذراوات ضحايا مع سبق الاصرار

في حادثة سابقة نهاية العام الفائت سجلت جريمة شرف كان فيها الأب ضحية الانفعال عندما استدعته مديرة المدرسة لتخبره أن ابنته تخرج من المدرسة لجهة مجهولة وتضع إشارات على سلوكها بفعل الغياب، انفعال الأب كان الأسرع وكانت رصاصة من مسدسه كفيلة بقتل طالبة الصف العاشر التي أثبت التقرير الشرعي عكس ما أشيع عنها، أو ما عبرت عنه المديرة لتسجل جريمة جديدة في أجواء يبدو أنها مؤهلة لإعادة انتشار هذه الجريمة.

مما يجب التوقف عنده في هذه الفترة، الفارق الزمني الذي لا يتجاوز الشهر بين حالة سجلت الشهر الفائت لفتاة شابة، وهذا الشهر لسيدة أرملة، لنجد أن أكثر ما يجمع عليه المعلقون سؤال: «كيف لشخص أن يضع مقياساً للشرف يجعل كل من تُخل به في خانة القتل بيد من أراد من الذكور في عائلتها؟».

القاتل والمقتول ضحايا

المحامي “غسان غرز الدين” أمين سر نقابة محامي “السويداء” يقول لـ”سناك سوري”: «غياب الوعي أحد دوافع انتشار جرائم الشرف، هنا يتساوى القاتل والمقتول ليقع الإثنان تحت مطرقة المجتمع، كضحايا لمنطق المجتمع الظالم».

يعتبر “غرز الدين” أن العقوبة مهما كانت كبيرة لن تكون رادعة، ولا كافية، فجريمة القتل العمد عقوبتها الإعدام منذ الأزل، ولم تردع عن القتل، وأن غياب الوعي سيضعنا أمام مفاجئات كبرى، منوهاً للتعديلات التي طرأت على قانون العقوبات ليسجن الجاني من 5 إلى 7 سنوات وفق العذر المخفف ووقائع الجريمة.

غياب القانون وتسلط الذكر

في الوقت الذي حمّلت به الناشطة والكاتبة “أنجيل الشاعر” غياب القانون والسلطة الذكورية مسؤولية إنتاج مثل هذه الجرائم، فالجريمة ظاهرة طبيعية تختلف بملابساتها ووقائعها، هي جريمة مجتمع خاضع للعادات والتقاليد والموروث الذي يعتبر المرأة شرف الرجل والعشيرة أو القبيلة إلخ.

تقول: «عودة الجريمة تفاعل طبيعي في هذه المرحلة تبعاً لغياب القانون والمحاسبة الذي تتساوى فيه جرائم النهب أو الخطف أو القتل، حيث انقلبت المفاهيم»، وتساءلت: «من المخول بتحديد مفهوم الشرف؟».

ترى “الشاعر” أن «ما نحتاجه اليوم تفعيل القانون والمطالبة بقانون يحمي المرأة من هذه الجرائم، لأن المجتمع يقتل الضحية فإذا اعتبرنا أنها مذنبة بما يخص جسدها، فهناك رجل اخترق هذا الجسد وهو حر طليق لأن عيبه على حذائه بنظر النساء قبل الرجال، لكن هذا النظر لم يلحظ أن الضحية أم لثلاثة أولاد شردوا»، في إشارة منها للأرملة التي لقيت حتفها على يد أخوها.

اقرأ أيضاً: في “سوريا”: قانون يشّرع القتل… وتعديل تعا ولاتجي

جريمة اللاشرف

المحامية “مها نعيم” ناشطة في مجال حقوق المرأة أطلقت على الجريمة اسم “جريمة اللاشرف” في دراسة قانونية اجتماعية أعدت لها وعادت فيها إلى أصل الجريمة التي بدأت بالعصر الروماني وتطورت وفق مراحل تاريخية متلاحقة، وبما أن القانون السوري مأخوذ عن القانون الفرنسي بجزء كبير وهو بدوره استوحى من القانون الروماني الكثير فإن العقوبة، أقرت وفق ذلك وطرأ عليها عدة تعديلات، لم تنصف المرأة كان آخرها العذر المخفف وهذا بحد ذاته ظلم جديد للمرأة.

حسب إحصائية ضمن دراسة أجرتها “نعيم” فإن سوريا مصنفة خامسة بين الدول الخمس الأولى عالمياً والثالثة عربياً بناء على تصريح رسمي من الأمم المتحدة، وحسب احصائيات وزارة الداخلية عام 2010 فإن نسبة جرائم الشرف بلغت 294 جريمة من عدد القضايا الجزائية، وبعام 2014 شكلت جرائم الشرف 60 بالمئة من عدد القضايا الجرمية، وحسب المكتب السوري للإحصاء جرائم الشرف تتراوح بين 200 إلى 300 جريمة في كل عام، وتزداد في الأرياف وبيّن أن معظم الضحايا بعد الفحص الشرعي للجثة تبين أنهن كن مازلن عذراوات!.

في تلك المرحلة لم تصنف “السويداء” بين المحافظات المتقدمة بنسبة هذه الجرائم، لتكون “إدلب” ومن بعدها “حماة” ومن ثم “حلب” و”الحسكة” وتليها باقي المحافظات بنسب متقاربة، لكن ووفق مصادر قضائية فإن حالتين فقط سجلتا خلال العام الحالي في “السويداء” لكن هناك حالات ترتبط بجرائم الشرف بالنسبة للوافدين المستقرين بالمحافظة.

اقرأ أيضاً: “سوريا”.. ثلاثينية ضحية رصاص أهلها بدافع “جريمة شرف”!

لا عذر مخفف للمرأة !

تعرف المحامية “مها نعيم” جريمة الشرف بأنها: «فعل انتقامي موجه للنساء وهو جريمة يرتكبها أحد الأعضاء الذكور في أسرة ما أو قريب ذكر لذات الأسرة بحق أنثى، ويبرر القتل في هذا الجرم بدوافع شخصية تتعلق بالنوازع العاطفية للجاني».

ووفق رأيها فإن ما يؤخذ على القانون أنه تنازل من الدولة عن حقها العام في القصاص من المجرمين، والرجوع إلى مرحلة الثأر الشخصي، بل إنه يتضمن عدم حماية أفرادها من القتل العشوائي الممنوع دستوراً، ويعتبر مؤيدو هذا الرأي أن الدعم أو الظرف القانوني بتبرير الجريمة، هو بمثابة التربة الخصبة لعدم وجود الرادع والحد من تلك الجرائم.

تقول “نعيم” لـ”سناك سوري”: «القانون نفسه للأسف لم يلغ الحالة التمييزية تجاه المرأة في قانون العقوبات السوري، فإذا قتلت المرأة الزوج لحماية أولادها من جرم شائن له علاقة بالشرف فالمرأة لا تأخذ العذر المخفف، في الوقت الذي تنص عليه المادة 192 ق.ع.س إذا تبين أن الدافع كان شريفاً قضى بالعقوبات التالية: الاعتقال المؤبد بدلا من الإعدام والاعتقال المؤقت من الأشغال الشاقة المؤقتة، والحبس البسيط من الحبس مع الشغل وأيضا هناك تعديلات مخففة»

أسباب الجريمة ودوافعها

تقول الدكتورة “لجين حمزة” الكاتبة والناشطة بقضايا العنف ضد المرأة محللة الواقع، إنه في المجتمعات القبلية والعشائرية، التي تعتمد على الإنتاج الزراعي، تكمن الأهمية في كثرة الذكور الذين يحملون اسم العائلة واتساع الأراضي الزراعية التي تعود ملكيتها للذكور غالبا، وبهذا تصبح مهمة المرأة الأولى الإنجاب وتصبح جزء من ممتلكات عائلتها قبيلتها، وهذا الامتلاك يتمثل في حرمانها من الميراث والحرية الشخصية.

انطلاقاً من المعطيات السابقة ترى “حمزة” أن أسباب ما يسمى بجرائم الشرف، تكمن في «القبول الاجتماعي لهذه الجرائم باعتبارها رادعا تأديبياً للنساء، بنود القانون المخففة للعقوبة إلى الحد الأدنى، الضغط الاجتماعي الممارس على ذوي النساء من تشويه السمعة وتحقير ونبذ، والذي كثيراً ما يدفع الرجال لإرتكاب جريمة لم يقتنعوا بها ضمنياً ولكن لرد الهجوم الاجتماعي، والاستيلاء على ميراث المرأة أو ممتلكاتها المادية حيث يتم اتهامها بفعل جنسي وتصفيتها على هذا الأساس، والاستفادة من الأعذار المخففة للجرم».

تضيف: «السيكوباثية أو المرض النفسي الذي يجرد الإنسان من مشاعر التعاطف أو تأنيب الضمير، وأسباب أخرى انبثقت من الأزمة مثل انتشار السلاح بشكل عشوائي والغلاء الفاحش وارتفاع الأسعار والانفلات الأمني وتراجع تطبيق القوانين، شاركت في قتل إنسانة بريئة تستحق الحياة ووفق معلوماتي الضحية الأخيرة كان قتلها بسبب حصة ميراث، وعليه نتوقع تكرار جريمة اللاشرف مرة ثانية وثالثة لتكون المرأة وأولادها ضحايا جدد».

هي جريمة لا تقل إجراماً عن أي جريمة أخرى… هي إمعان في قتل الضحية واتهامها بشرفها.. هي تمييز ذكوري وانتهاك للكرامة الانسانية… في وقت كثيراً ما يكون الجاني فيه “عامل السبعة وذمتها” ومع ذلك فهو يرتكب “جريمة شرف”…. هذه الجريمة التي تشكل خطراً على المجتمع السوري وعلى الإنسانية تحتاج وضع حدٍ لها وفقاً لرأي نشطاء المجتمع المدني وحقوق الانسان الذين ينظرون لها على أنها “جريمة بلا شرف”.

اقرأ أيضاً: أفرغ 3 مخازن من الرصاص بجسد “شقيقته” انتقاماً لـ”شرفه”!

المقالات المنشورة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الموقع