شعوب البحر والعثمانيين الجدد- حسان يونس

صورة تعبيرية عن طريقة استخدام الخازوق أحد أكثر العقوبات الوحشية التي استخدمها العثمانيون خلال احتلالهم للعالم العربي من بوابة الدين

العثمانيين الجدد مدرّعين بالدعاوى الإخوانية يعيدون غزل ما بدأه العثمانيون القدامى وما سبقتهم إليه شعوب البحر

سناك سوري- حسان يونس

كانت الحضارات القديمة تنظر إلى التاريخ باعتباره أحداث تتكرر وفق منحنى جيبي، أو وفق دورات متعاقبة، وإذا كان الإنسان المعاصر رفض سلطة القوى الغيبية التي تعطي للتاريخ منحى دورانيا، وحاول أن يرسم له منحى مستقيم اعتمادا على سلطة العقل البشري وسيادته على الطبيعة والزمن، فان ذلك لا يمنع من ملاحظة أن هناك أحداث مغرقة في القدم تعود لتتكرر بأسماء وصيغ حديثة.

في هذه الأيام التي تشهد توترا متصاعدا في العلاقة بين مصر وبين الكيانات التي تتخذ الإسلام ذريعة سياسية كالاخوانية في تركيا وقطر وليبيا، أقول في هذه الأيام، لا بأس من العودة إلى توتر مشابه عاشته مصر في القرن 13 ق.م مع كيانات شعوب البحر التي هاجمتها، للمصادفة، اعتمادا على ذات الجغرافية السياسية، فكانت قاعدة انطلاقهم الساحل الغربي لآسيا الصغرى والجزر المحيطة بها في بحر إيجة وجبهات هجومهم هي الحدود الغربية لمصر مع ليبيا.

اقرأ أيضاً: الحصار عبر التاريخ.. بابل وتدمر نموذجاً- حسان يونس

يورد الباحث مصطفى “نزار كحلة” في كتابه المعنون “غزوات شعوب البحر” أن سكان الساحل الغربي لآسيا الصغرى (تركيا حاليا) وجزر بحر إيجة المحيطة بها تحلّلوا من سيطرة الإمبراطورية الحثية ما بين (1220-1250 ق.م ) نتيجة اضطراب وتفكك هذه الإمبراطورية، وبدؤوا بالتحرك جنوبا وشرقا نحو المدن والممالك الغنية في سورية ومصر، وكان طريقهم إلى غرب مصر يمر بجزر كريت وقبرص وصولا إلى شواطئ ليبيا، أو منطقة مرسى مطروح غرب مصر (تحتوي قاعدة عسكرية مصرية تفقدها الرئيس المصري منذ أيام وأطلق تهديات منها لحكومة الوفاق الليبية).

كما يورد “محمد عبد الحميد أحمد” في كتابه المعنون “دراسات في تاريخ مصر الفرعونية” أن الفرعون المصري “سيتي الأول” (1307-1291 ق.م) ذهب إلى الحدود الليبية المصرية مرتين ليخوض حربا ضد شعوب البحر، وأما حفيده “مرنبتاح” ( 1224-1214 ق.م)، فقد قاتل شعوب البحر عام 1219 ق.م غرب الدلتا بعدما تسرّبوا في عمق مصر وصولا إلى قناة عين شمس بشكل استيطاني ناقلين نسائهم وأطفالهم ومواشيهم، قبل أن يسفروا عن وجههم العسكري العدواني، وبعد النصر الكبير الذي حقّقه مرنبتاح على هذه القبائل اتجه قسم منها نحو الجنوب بغية الوصول إلى وادي النيل في منطقة النوبة لكن المصريين استطاعوا ردهم عنها.

اقرأ أيضاً:هكذا قدم الأميركيون السوريين أضاحي لـ مولوخ-حسان يونس

بعد مرنبتاح مرّت مصر بمرحلة من الضعف استمرت عقدين تمكّنت خلالها شعوب البحر من التسلل إليها والوصول إلى منطقة غرب الدلتا مجددا، مدمّرين مدن منطقة “زويتي” دون أن يعترضهم احد، إلى أن وصل الحكم “ست نخت” (1200 – 1198ق.م )، وهو مؤسس الأسرة المصرية العشرين (أسرة الرعامسة)، ووالد “رعمسيس الثالث” (1198-1165 ق.م)، الذي سيكون له شأن كبير في صد غزوات شعوب البحر بعدما عادت من الغرب وبدأت مقدماتها تظهر من الشرق.

تورد نقوش معبد “هابو” أنه في السنة الخامسة من حكم “رعمسيس الثالث” 1193 ق.م قام الملك رعمسيس بحملة عسكرية ضد جيران مصر الغربيين القادمين من آسيا الصغرى، وفق مصادر عدة، وكان النصر كبيراً في هذه المعركة بحيث أنه قضى على خطر شعوب البحر القادم من الغرب.

لم تمضِ على حملة رعمسيس الثالث ضد شعوب البحر ثلاث سنوات، حتى تجدد خطرها قادما من الشرق، فبعد استيلاء شعوب البحر على “حاتوشا” عاصمة الحثيين في الأناضول (تركيا حاليا) وتدميرها، تقدّمت باتجاه كركميش (جرابلس وهي العاصمة الثانية للحثيين)، ودمرتها، (بعدما كانت أوقعت الدمار في اوغاريت قادمة إليها من جهة البحر)، ومن ثم اندفعت هذه الشعوب البربرية في رحلة تدمير ممنهج إلى وسط سورية، مدمّرة في طريقها مملكة امورو (سيميرا ، تل كزل على النهر الكبير الجنوبي)، وملحقة كذلك دمارا جزئيا بالمدن الفينيقية كصور وصيدا وارواد وعمريت، في طريقها إلى مصر عبر ارض كنعان (التي لم تكن قد تسمت بفلسطين)، حيث اشتبكت مع القوات المصرية في معركة زاهي (وتعنى لدى المصريين : سورية) ما بين (1190-1189 ق.م ) في السنة الثامنة من حكم “رعمسيس الثالث”، الذي خلّد هذه المعركة أيضا في نقوش على معبد “هابو”، وحسب د.عبد العزيز عثمان في كتابه المعنون، “معالم الشرق الأدنى القديم”، فان معركة زاهي كانت معركتين إحداهما برية حصلت في أرض كنعان الجنوبية عند مدينة رفح قرب حدود مصر، والثانية بحرية حدثت لدى مصب نهر النيل في المتوسط عند مدينة بور سعيد.

ومن أجل مزيد من تتبع دورات التاريخ، لا بأس أن نتذكر أنه في القرن 14م كان السلطان المملوكي سيف الدين برقوق (1382-1389 م) يتابع عن كثب أخبار فتوحات بني عثمان في البلقان، وقضمهم المضطرد لاستقلال الإمارات التركمانية الواحدة تلو الأخرى. وبينما كان العالم في حينه يتقلّب رعبا بسبب “الوباء الاصفر” المُلقّب به تيمولنك، رغم ذلك امتلك السلطان برقوق من البصيرة ما يكفي ليقول: “لا أخشى تيمورلنك، فالجميع سيساعدوني ضده، بل أخشى من بني عثمان، لا خوف على حكام مصر إلا من بني عثمان!”، وفق ما نقل ابن خلدون عن علاء الدين ابن صُغَير، كبير أطباء السلطان برقوق وسفيره، واليوم فان العثمانيين الجدد مدرّعين بالدعاوى الاخوانية يعيدون غزل ما بدأه العثمانيون القدامى، وما بدأته قبلهم شعوب البحر .

اقرأ أيضاً:إراقة دم المدنية السورية بسيف البداوة- حسان يونس

المقالات المنشورة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الموقع