سوريا: مدرّسة تقدم درس “الموسيقى” بأسلوب تفاعلي وتُنمي مواهب الطلبة

درس الموسيقى الذي اعتاد الطلبة التسلية فيه… تحول في اللاذقية إلى درس ينتظره الطلبة بفارغ الصبر

سناك سوري – علا بدور

ازدحام في ممرات المدرسة، وتسارعٌ لطلاب الصف الرابع للوصول إلى قاعتهم الدرسية، وكخلية النحل بدأت التحضيرات لاستغلال حصة الموسيقا حتى آخر دقيقة، هذا يخرج البيانو ويبحث عن مأخذ للكهرباء، وذاك ينظم أوتار الغيتار ويفحصها، فيما الآنسة تفتح حاسبها لتصله مع جهاز الإسقاط لعرض محتوى الدرس.

انتهت التحضيرات، وبدأت الحصة بتوزيع أوراق ملونة على التلاميذ ليشكلوا مجموعات ليسهل التعامل معهم، فتلك مجموعة “النهاوند” وهذه مجموعة “البيات” أما الأخيرة فمجموعة “الصبا”، جلس الطلاب يراقبون المدّرسة التي بدأت بتوجيه الأسئلة على الطلاب لجذبهم إلى الدرس الذي غاب عنه العرض التقديمي لمشكلة طرأت على جهاز الإسقاط، لم يكترث الطلاب لما حدث فهمّه الأول والأخير الإجابة عن الأسئلة والانتقال إلى الجانب العملي من الدرس.

“زينب أسعد” طالبة من الصف الرابع تعزف على آلتين وتتحضر حالياً للمشاركة في رواد الطلائع للعزف على الكمان بعد أن نالت جائزة في مهرجان أغنية الطفل السوري تحمل آلة “الريكوردر” بانتظار انتهاء النقاشات لتطلق أنفاسها عبرها وتعطي أجمل الألحان، وذاك يراقب غيتاره بتلهف ويستعجل المدرسة في إعطاء الإجابة ليحرك أنامله الغضة على أوتاره، فيما باقي الطلاب يجتهدون في سؤال بعضهم البعض عن الإجابة للوصول إلى السؤال الأخير الذي تعلن بعده الآنسة عن وقت العزف والغناء، فيتجه طلاب العزف نحو آلاتهم الموسيقية فيما يقف باقي الطلاب لمشاهدتهم كيف يجهزون الآلات للبدء في الإنشاد.

“رشا علي” مدرسة تعتمد الأسلوب التفاعلي في درسها الموسيقي بعيداً عن النموذج التقليدي الرتيب  للحصة، فالموسيقا هي تفاعل بين الروح واللحن وليست حصة للتلقين والحفظ والكتابة، تقول “رشا” لـ سناك سوري: «انتقلت مؤخراً للتدريس في مدرسة “يونس رضوان” لاحظت اهتمام الكثير من الأهالي في تنمية الجانب الموسيقي لدى أطفالهم، وفي تلك الفترة وجب عليّ تحضير عرض فني لأقدمه في مهرجان الطلائع الذي كانت تستضيفه مدرستنا، ومن هنا كانت الخطوة الأولى مع الطلاب».

بحثاً عن عازفين وأطفال يحبون الغناء أو يودون العمل مع الفرقة استطاعت الآنسة “رشا” أن تشكل فرقتها الموسيقية المؤلفة من ستة طلاب يعزفون على آلات موسيقية مختلفة، وانتقاء مجموعة من الطلاب للكورال ليبدأ العمل والتحضيرات للعرض، لاقى العرض صدى إيجابي كبير من قبل الأهالي وجميع الحاضرين واندفاعٌ كبير من قبل الطلاب الآخرين سعياً منهم للانضمام إلى الفرقة بعد ما شهدوه من حماس لدى أصدقائهم في الفرقة، استغلت الآنسة هذا الحماس وعملت على استقطاب الطلاب الذين يعزفون على الآلات وضمهم إلى الفرقة، وعمدت أثناء الحصص على تدريب الطلاب فمن ناحية يتدرب الطلاب ومن ناحية أخرى يتفاعل باقي الطلاب مع أصدقائهم.

ولا تقتصر الحصص الدرسية على العزف والغناء، بل يتخللها حصص استماع وفيها تعمل الآنسة “رشا” على تشغيل مقطوعات موسيقية أغلبها كلاسيكية مقررة في المنهاج وذلك للحفاظ على الذائقة الموسيقية لدى الطالب وتقول “رشا”: «هناك حصة استماع موجودة في المنهاج وأغلب المقطوعات كلاسيكية، يتفاعل الطلاب معها بأساليب مختلفة فمنهم من يقلد حركة قائد الأوركسترا وآخر يثب قائلاً سمعت اللحن على التلفاز، فيما الآخر يقول هذا اللحن في توم وجيري وهذا إن دلّ على شيء يدل على أن الطلاب ما زال لديهم ذاك الحس الموسيقي الراقي».

تتنوع الأغاني والمقطوعات في الكتاب الصفي ويغلب الطابع التراثي عليها وكثيراً ما تجد الآنسة “رشا” صعوبة في الحصول على بعض النوط الموسيقية للأغاني التراثية القديمة لذا تستعين بطالبها “الهادي اسكيف” المتمكن من العزف بشكل سماعي وباتباع النوطة ليعيد عزف المقطوعة بعد سماعها وتسجيل النوطة من قبل الآنسة وتوزيعها على باقي الفرقة، يقول “الهادي”: «تحثنا الآنسة “رشا” على التدريب حتى نتطور ونصل إلى مكانة مميزة في العزف، أستطيع العزف بعد سماع الموسيقا وعندما تسمعني الآنسة موسيقا معينة أعود لأعزفها مرة أخرى وأساعد الآنسة على تشكيل النوطة لنتدرب عليها أنا والفرقة».

لا يكلف الدرس التفاعلي سوى القليل من الإمكانيات كما يسهل على المدرس جذب الطلاب واستمالتهم لأخذ المعلومة بسلاسة دون إكراه وإجبار بل تجده ينتظر الدرس التفاعلي بمنتهى الشوق ليعيش أجواء غير مألوفة، نادرون أولئك الذين يستميلون الطلاب بهذا الأسلوب ومنهم كانت تجربة الآنسة “رشا علي” علّ في تالي الأيام يتبع باقي الأساتذه نهجها، ولا تنكر الآنسة وجود بعض المعوقات كالأعداد الكبيرة للطلاب وقلة اللآلات الموسيقية في المدرسة لكنها تغلبت عليهم بالاستعانة بالآلات الخاصة بالطلاب وبتقسيمهم إلى مجموعات ليسهل التواصل معهم.

لقد حولت “رشا” درس الموسيقى من درس مهمل غير مهتم به وينظر له إلى فسحة وتسلية، إلى درس تفاعلي أعاد الاحترام لمادة الموسيقى، فهل تكون حافزاً لباقي المدرسين حتى يهتموا بهذا الدرس الذي لا يقل أهمية عن باقي دروس المدرسة.

اقرأ أيضاً “دروس المتابعة” تقضي على عملية التعلم.. حشو صباحي ومسائي وتلقين ببغائي

المقالات المنشورة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الموقع