“سلوى عزام” التعليم ولو في التسعين

تحمل على كتفيها تسعين عاماً، قضت جلَها في التنقل بين منازل طلابها تدرسهم وتعلمهم بحب وإخلاص

سناك سوري – رهان حبيب
تحمل على كتفيها تسعين عاماً، قضت جلها في التنقل بين منازل طلابها تدرسهم اللغة الفرنسية التي عشقتها، بلا مقابل بوصفها من أوائل الموفدات إلى “فرنسا” في زمن كانت المدرسة حلماً صعب المنال على فتيات جيلها.
تقول المربية “سلوى عزام” لـ سناك سوري بلباقة اشتهرت بها:«لم أنقطع عن طلابي لغاية الراحة، بل لضرورة السفر لزيارة أولادي في الخارج. وكانت متعتي الدائمة بالتنقل بين منازلهم، أزورهم وأقوم بواجبي في تعليم اللغة التي أحببت، أتحاور معهم وأبني صلات المودة والثقة، لأكون مرجعهم في أي استشارة، وهذا واجب المعلم وحرصت على تأديته قبل التقاعد وبعده».

المدرّسة الشهيرة في محافظة السويداء من مواليد عام 1928 أمضت عقوداً طويلة في البحث والتشبع بعلوم اللغة التي تخصصت بها لغاية اكتساب العلم وتعزيز قدرتها على مساعدة طلابها وتطوير العملية التربوية في مدينتها. تقول “عزام”:«لا أنسى عام 1959 عندما قضيت أشهراً طويلة في زيارة أهالي الطالبات، لإقناعهم بإرسال الفتيات للمدرسة، ولنؤسس لمرحلة كان فيها المفكر والكاتب “سلامة عبيد” مديراً لتربية “السويداء”، لأول مدرسة إعدادية في مدينتنا “صلخد”».
أوفدت لفرنسا في ستينيات القرن الفائت …
في عام 1964 كانت من بين 30 طالباً سورياً أوفدوا إلى “فرنسا”، لمتابعة دراسة وسائل التعليم السمعية والبصرية للغة الفرنسية، فكانت أول خريجة جامعية على ساحة المحافظة، وعادت لمتابعة مهمتها في تعليم أبناء بلدها للغة أحبتها وتبحرت في آدبها، ونشر ثقافتها لكل من رغب وتوافرت له الموهبة في ذلك، تقول “عزام”:«تلاقى حلمي مع حلم زوجي المدرس “سليم السعدي” لنعمل معاً، ونقدم ما لدينا لطلابنا الذين أعتبرهم ثروتي التي لا تقدر بثمن، وهم اليوم في مراتب علمية يحق لنا الفخر بها».

اقرأ أيضاً:سينما “السويداء” هل تشرق بعد غياب

يستغرب المتابع أن سيدة استمرت لعقدها التاسع تحمل كتبها ودفاترها قاصدة منازل الطلاب، خاصة من علمت بأوضاعهم الاقتصادية المتوسطة أو الفقيرة لتقدم لهم خدماتها بكل محبة وبلا مقابل رغم تقدمها بالسن، لكن المتابع لها عندما تبدأ حصتها الدرسية يتلمس حيوية هذه الروح، ورقتها وخبرة كبيرة لا تشي بالعمر.

لغاية العام الفائت تباشر هذه المربية الفاضلة العمل بكل إخلاص لا يقعدها المرض ولا هموم الأسرة وأولادها المغتربون، تشارك في عدد كبير من أنشطة المجتمع، ومتطوعة في عدد من الجمعيات كـ “رعاية المسنين”، و”الهلال الأحمر”، ودائماً ما تشكو ضيق الوقت فلديها الكثير الكثير لتنجزه.

في اتصال صباحي، قدمنا لها التهنئة بعيد المعلم، قالت: «أبدأ يومي بمطالعة الروايات الفرنسية والعربية، ومن بعدها أقوم بأعمال متعددة، حيث أستقبل زواري من الطلاب، وكنت في مراحل سابقة أزورهم، وأخرج لأتابع عملي كمتطوعة مع الجمعيات المحلية. وأجد في تفاصيل كثيرة متعة للعمل، تجعلني على اتصال دائم بما يجري في محيطي من فعاليات وأنشطة في مجتمع أحببته، وتعودت مع زوجي الراحل الاهتمام به ومبادلته الحب والعطاء.
تقاعدت من التعليم الرسمي عام 1986 لكن بقي ليوم المعلم أثر كبير في نفسي، أقضيه مع أحبتي وطلابي الذين يشكلون جزءاً كبيراً من حياتي. حظيت بزيارات عدة إلى “فرنسا” و”الولايات المتحدة”، وكنت في كل الرحلات مهتمة بالبحث عن مراجع ومناهج متطورة، تجعلني قريبة من كل جديد».
التعليم حالة احتراف للحب..
جملة تختم بها الاتصال، وتقول: «نلت في طفولتي فيضاً من محبة والدي، سارت بي إلى قناعة لا أحيد عنها، أن الحب محور الحياة، ومن أراد أن يسجل مسيرة ناجحة في مجال التعليم لابد له أن يكون قادراً على الحب. والتعليم حالة احتراف الحب لما نقدمه، ولما نحاول غرسه في نفوس طلابنا، وثقتي بهم كبيرة أنهم سيكملون الطريق محترفين أصلاء للحب».

ساهمت “عزام” في دفع مئات الطلبة لدراسة اللغة الفرنسية وكانت سبباً في حبهم لهذه المادة خلال دراستهم، تقول “حنين الحجلي” وهي من طالبتها إنها أحبت وغيرها كثيرون هذه اللغة وتخصصوا بها بفضل “عزام”.

إقرأ أيضاً في الطريق إلى السويداء هذا ماحصل معنا!!

المقالات المنشورة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الموقع

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *