الرئيسيةشخصيات سورية

حسني الزعيم .. أول انقلابي عربي فتح بوابة الفوضى على سوريا

حلمَ بحكم سوريا فقادها إلى حقبة الانقلابات العسكرية .. وانتهى إعداماً

لم تكن صبيحة 30 آذار 1949 عابرة في تاريخ “سوريا” الحديث، بل لعلها الصبيحة الأخطر ليوم فتح بوابة الانقلابات العسكرية في البلاد والتي تواصلت لعقدين من الزمن.

سناك سوري _ دمشق

سينقطع بث إذاعة “دمشق” بشكل مفاجئ، ويخرج صوت المذيع المتهدّج معلناً البيان رقم 1 الذي يبلغ به الشعب السوري بوقوع أول انقلاب في تاريخه.

لم يكن متزعّم الانقلاب سوى قائد الأركان “حسني الزعيم“، الذي أدخل الجيش للمرة الأولى إلى دهاليز السياسة وتسلّم السلطة، ما أثار شهية ضباط آخرين بعده أوقعوا البلاد في فخ الانقلابات حتى باتت أكثر بلد عربي يشهد انقلابات عسكرية في سنوات قليلة.

قبل الانقلاب

صاحب عبارة «ليتني أحكم سوريا يوماً واحداً ثم أقتل بعده» لم يخفِ شهوته للسلطة، فاستثمر الجو السائد في البلاد من جفاء بين الساسة والعسكر وأقدم على الخطوة الأخيرة.

حيث خاض الجيش السوري حرب “فلسطين” بعد نحو 3 سنوات على تأسيسه فقط، الأمر الذي ساهم مع عوامل أخرى في خسارة المعركة، ما دفع أهل السياسة لمهاجمة الجيش تحت قبة البرلمان وعلى صفحات الجرائد.

ليتني أحكم سوريا يوماً واحداً ثم أقتل بعده حسني الزعيم

 

أثار ذلك حنق العسكر، فبادروا لكتابة عريضة وقّعها كبار الضباط ووجهوها لرئيس الجمهورية حينها “شكري القوتلي”، ولم يكن حامل الرسالة سوى “الزعيم” نفسه، الذي واجه تقريعاً من “القوتلي” ورفضاً لتسلّم العريضة أو النظر فيها حيث طلب منه الاهتمام بتدريب الجيش بدل تقديم الاستدعاءات.

كانت تلك الحادثة، شعرة قصمت ظهر البعير، وقطف “الزعيم” ثمارها، إذ نفذ انقلابه واعتقل رئيس الجمهورية وأعضاء الحكومة وبات أمر الحكم له.

صاحب الانقلاب

ولد “الزعيم” عام 1894 ودخل المدارس العسكرية في “حلب” و”إسطنبول” و”أدرنه” وتنقّل من الجيش العثماني إلى الجيش العربي الفيصلي، ثم إلى جيش الشرق الفرنسي، وصولاً إلى الجيش السوري بعد الاستقلال.

أصبح “الزعيم” قائداً للواء الثالث في “دير الزور” عام 1946 برتبة عقيد، ثم مديراً للشرطة والأمن العام في “حلب” بعد سنتين، لكن نشوب “حرب فلسطين” أعاده إلى صفوف الجيش.

جنى الضابط الخمسيني ثمار ما أهدته له القيادة السياسية حينها دون قصد، إذ أقالت قائد الجيش “عبد الله عطفة” وقائد الرتل السوري المشارك في حرب “فلسطين” “عبد الوهاب الحكيم” فأصبح “الزعيم” قائداً للأركان.

اقرأ أيضاً:معروف الدواليبي … الشيخ الأحمر تحدّى الأمريكيين واعتقله البعث
بعد الانقلاب

سارع “الزعيم” إلى حصر السلطة بيده، فأصبح رئيساً للجمهورية وقائداً للجيش ورقّى نفسه لرتبة “مشير” كما انتزع الصلاحيات التشريعية لنفسه إثر حلّ مجلس النواب، وغيّر قانون انتخاب الرئيس ليصبح من الشعب مباشرة بدلاً من البرلمان.

ولنيل تأييد دولي لانقلابه، بادر “الزعيم” إلى توقيع الاتفاقيات مع الدول الكبرى بنفسه باسم “سوريا” بدلاً من المصادقة عليها في مجلس النواب، فوقّع اتفاقية “التابلاين” مع شركة “آرامكو” الأمريكية لتمرير خطوط النفط عبر “سوريا”، واتفاقية “شركة خطوط أنابيب الشرق الأوسط البريطانية”، و3 اتفاقيات مع “فرنسا”، واتفاقية الهدنة مع كيان الاحتلال الإسرائيلي.

تحركات “الزعيم” الخارجية دفعت عدة باحثين ومصادر للاعتقاد بأن انقلابه كان بدعم أمريكي فرنسي مشترك عبر سفارتيهما في “دمشق”، والقول أن وكالة المخابرات الأمريكية كانت المخطط الحقيقي للانقلاب، لكن مصادر أخرى تقول أنه تلقّى الدعم من الغرب بعد تنفيذ الانقلاب وليس قبله.

من جانب آخر، حاول “الزعيم” تصوير نفسه بمظهر الإصلاحي، فقام بسنّ سلسلة من القوانين والتشريعات كإلغاء الأوقاف الذرية، وفرض ضريبة على الأرباح، ومنح المرأة حق التصويت في الانتخابات، وحاول زيادة عدد أفراد الجيش بتطبيق قانون خدمة العلم، وأصدر مرسوماً بإطلاق يوم التبرع للجيش الذي يدعى فيه المواطنون للتبرع شهرياً لصالح القوات المسلحة.

اقرأ أيضاً:8 تموز .. ذكرى إعدام زعيم القومية السورية “أنطون سعادة” !
حادثة أنطون سعادة

لا شك أن ديكتاتورية “الزعيم” وسياساته الخارجية لعبت دوراً رئيسياً في تأليب الرأي العام السوري ضده بما في ذلك قوات الجيش.

لكن الحادثة التي تعدّ سبباً مباشراً في انتهاء عهده بعد أشهر فقط من الانقلاب، كانت تتمحور حول رئيس الحزب السوري القومي الاجتماعي “أنطون سعادة”.

كان “سعادة” قد حاول تنفيذ عصيان مسلح ضد الحكومة اللبنانية، لكنه فشل في ذلك فلجأ إلى “دمشق” حيث استضافه “الزعيم”، ويحكى أنه أهداه مسدسه الشخصي كنوعٍ من منح الأمان.

ومع وصول “رياض الصلح” إلى رئاسة الحكومة اللبنانية قدّم لـ”الزعيم” رسالة من الرئيس اللبناني “بشارة الخوري” تطلب تسليم “سعادة” فوافق “الزعيم” على ذلك وسلّم زعيم القوميين في 7 تموز 1949 حيث تم إعدامه في اليوم التالي إثر محاكمة عاجلة.

ولم يطل الوقت حتى حان الانتقام من “الزعيم” ورئيس حكومته “محسن البرازي”، حيث حمل فجر 14 آب من العام ذاته ثاني انقلابات “سوريا” بقيادة العقيد “سامي الحناوي”، بينما تولّى الضابط القومي السوري “فضل الله أبو منصور” مهمة اعتقال “الزعيم” و”البرازي” وتنفيذ حكم الإعدام بهما صبيحة اليوم ذاته، لتنتهي رحلة “الزعيم” كأول انقلابي في “سوريا” ذاق طعم سمّ الانقلابات الذي صنعه بنفسه.

اقرأ أيضاً:حين حلّ الشيشكلي الأحزاب السورية واستثنى البعث

المقالات المنشورة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الموقع

زر الذهاب إلى الأعلى